بيروت - سدن
في الجنوب اللبناني لا تبدو الحدود خطاً هندسياً مرسوماً على ورقة، بل مساحة تعيش فيها قرى وعائلات ومزارع وطرقات وذاكرة طويلة من الحروب، ولذلك فإن أي نقاش عن السلاح أو الانسحاب أو السيادة يتحول سريعاً إلى سؤال عن قدرة الإنسان على العودة إلى بيته والبقاء فيه.
غير أن السياسة اللبنانية أمضت سنوات طويلة في تحويل هذا السؤال البسيط إلى معادلة لا تنتهي، إذ يطالب فريق بضمانات تمنع الاعتداءات الإسرائيلية قبل نزع سلاح الجماعات، بينما يرى فريق آخر أن بقاء قرار الحرب خارج مؤسسات الدولة يجعل أي ضمانة هشة، وفي الخلفية جيش يحتاج إلى الموارد والثقة والقرار السياسي كي يصبح المرجع الأمني الوحيد.
من هنا لا يكفي أن نقرأ القرار الدولي 1701 بوصفه وثيقة ولدت بعد حرب 2006، فهو في جوهره محاولة لترتيب العلاقة بين الحدود والجيش والسلاح والشرعية، أي بين الأشياء التي لا تستطيع الدولة الحديثة الاستغناء عن أي منها.
وقد اعتمد مجلس الأمن القرار في الحادي عشر من أغسطس 2006، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية، وإلى انتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في الجنوب بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية، كما نص على ترتيبات تجعل المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أسلحة أو أصول عسكرية غير تابعة للحكومة اللبنانية أو لقوة الأمم المتحدة.
ولم تكن هذه البنود منفصلة عن الدعوة إلى تنفيذ اتفاق الطائف والقرارات ذات الصلة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، أو عن مطالبة لبنان بضبط حدوده ومنع إدخال السلاح دون موافقة حكومته.
فهذه المنظومة القانونية لا تتحدث عن طرف واحد فقط، فهي تجمع احترام سيادة لبنان ومنع انتهاك أراضيه مع احتكار الدولة للقرار العسكري، ولذلك يصبح اقتطاع أحد الجانبين وتجاهل الآخر قراءة سياسية انتقائية لا تطبيقاً كاملاً للنص.
لكن النصوص الدولية لا تتحول إلى واقع بمجرد صدورها، فمجلس الأمن يستطيع أن يرسم نطاق انتشار وأن يحدد التزامات، إلا أن التنفيذ يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على العمل، وإلى سلطة سياسية لا تترك القرار الاستراتيجي رهينة لتوازنات حزبية متحركة، وإلى التزام إسرائيلي بعدم انتهاك السيادة اللبنانية.
وقد كشفت التجربة أن الاعتماد على ردع متبادل خارج الدولة يجعل الهدوء مشروطاً بحسابات أطراف متعددة، وأن أي سوء تقدير قد يفتح الباب إلى تصعيد لا يستطيع المواطن الذي يعيش قرب الحدود التأثير فيه، فالمشكلة في السلاح الموازي ليست فقط احتمال استخدامه، بل وجود مركز قرار آخر يستطيع تحديد توقيت استخدام القوة نيابة عن مجتمع كامل، ثم مطالبة الدولة بإدارة النتائج الإنسانية والاقتصادية والدبلوماسية.
في المقابل، لا يصح أن تتحول الدعوة إلى حصر السلاح إلى تجاهل المخاوف الأمنية التي يطرحها سكان الجنوب، أو إلى افتراض أن إعلاناً سياسياً يزيل خطر الاعتداءات الخارجية، فالدولة التي تطلب من الناس تسليم الأمن إليها يجب أن تقدم ما يثبت قدرتها على حمايتهم، لا بالشعارات وإنما بانتشار فعلي ومؤسسات إنذار واستجابة وملاجئ وخدمات وتعويضات وقرار واضح في الدفاع عن الحدود.
وهنا تلتقي السيادة بالمواطنة، فالسلاح الشرعي ليس شرعياً لأن حامله يرتدي زياً رسمياً فقط، وإنما لأنه يخضع للقانون والمحاسبة والقرار المدني، ولأن المواطن يستطيع أن يعرف من المسؤول عندما تقع كارثة. وكلما اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسة الرسمية، وجد الفاعلون المسلحون فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم بديلاً، ثم أصبح البديل نفسه سبباً لاستمرار ضعف المؤسسة.
وهذا يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز تكرار بيانات القلق، فدعم الجيش اللبناني يحتاج إلى تدريب وتجهيز واستدامة مالية، لكن الدعم لا ينجح إذا صمم كبديل من التسوية السياسية الداخلية، كما أن المساعدات الإنسانية لا تستطيع أن تكون تعويضاً دائماً عن غياب أمن مستقر.
وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى خطاب داخلي يعترف بأن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تكون انتصاراً لطائفة على أخرى، لأن احتكار القوة إذا بدا مشروع غلبة حزبية فلن ينتج شرعية وطنية راسخة، وينبغي أن يصبح الجيش مؤسسة الجميع، وأن تكون حماية الجنوب مسؤولية عامة لا امتيازاً سياسياً لطرف، وأن تصاغ ترتيبات الانتقال بطريقة تقلل احتمالات الصدام الأهلي وتحفظ حقوق المواطنين المتضررين من الحروب.
وتاريخ لبنان الحديث يفسر لماذا تبدو هذه المهمة صعبة، فقد عاش البلد حرباً أهلية طويلة، وتعددت فيه السلطات الفعلية، وتشابكت حدوده مع صراعات إقليمية، ثم أعاد بناء مؤسساته بصورة غير متوازنة، وبدلاً من معالجة الإرث كله، سمحت التسويات المتعاقبة أحياناً بتأجيل أكثر الملفات حساسية، فصار التأجيل نفسه جزءاً من النظام السياسي، غير أن الدولة التي تؤجل قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تؤجل نتائجه، فالاستثمار والسياحة والتعليم والهجرة والعودة إلى القرى كلها تتأثر بصورة لبنان كبلد يستطيع ضبط حدوده أو لا يستطيع، وحتى عندما يهدأ السلاح، يبقى احتمال عودته عاملاً في قرارات العائلات والشركات والمغتربين.
ان الحل الواقعي ليس أن نطالب بتحول فوري لا تتوافر شروطه، ولا أن نقبل بانتظار مفتوح يكرس الاستثناء إلى الأبد، فالطريق الجاد يبدأ بتحديد مسؤوليات زمنية ومؤسسية قابلة للقياس، وبإعطاء الجيش والسلطات المدنية أدوات التنفيذ، وبربط أي ترتيبات أمنية بضمان احترام الحدود، ثم بمراجعة علنية لما يتحقق وما يتعثر.
كما يحتاج الأمر إلى قضاء ومجلس نواب وحكومة قادرة على ممارسة الرقابة، لأن القوة المسلحة من دون رقابة تستطيع أن تصبح مشكلة حتى لو كانت رسمية، والمبدأ الذي ينبغي ألا يضيع بين التفاصيل هو أن أمن المواطن ليس ملكية خاصة لأي حزب، وأن حماية الأرض لا تستقيم عندما يصبح قرار استخدامها ساحة منافسة بين مراكز قوة.