دمشق - سدن
كتب: أحمد الميداني
تستطيع العاصمة دمشق أن تعلن خطة لإعادة الإعمار، وأن تعرض صور الطرق والمباني والأسواق، لكن القرية السورية تقيس التعافي بطريقة أخرى: هل وصلت المياه إلى الأرض، وهل يوجد قمح يصلح للزراعة، وهل يستطيع الفلاح إصلاح المضخة وشراء الوقود، وهل بقي في المنطقة من يعرف مواعيد الحصاد؟
فالزراعة في بلد خرج من سنوات طويلة من الحرب ليست قطاعاً إنتاجياً بين قطاعات أخرى، وإنما شبكة اجتماعية تحمل الغذاء والعمل والملكية والعلاقات بين المدن والأرياف، وعندما تنهار هذه الشبكة لا يتوقف محصول واحد فقط، بل يتغير مكان السكان، وتتراجع قدرة الأسرة على البقاء في قريتها، ويزداد اعتمادها على المساعدة، ثم تتحول الهجرة المؤقتة إلى نزوح دائم، ولهذا فإن إعادة بناء سوريا لا تبدأ من الإسمنت وحده، بل من إعادة الحياة إلى الأرض التي تغذي المدن.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أعلنت في مارس 2025 خطة طوارئ وتعافٍ للفترة 2025–2027 تستهدف مساعدة نحو 9.8 ملايين سوري من الفئات الريفية الضعيفة، وقدرت التمويل المطلوب بنحو 286.7 مليون دولار.
وتجمع الخطة بين دعم إنتاج القمح والثروة الحيوانية، وإصلاح الري والصرف، واستعادة البذور والخدمات الزراعية، وتدريب الأسر الريفية، ومعالجة آثار الألغام والذخائر غير المنفجرة في الأراضي الزراعية.
وهذه التفاصيل تكشف حجم التعقيد، فالحقل قد يكون خصباً لكنه غير آمن، والماء قد يكون موجوداً لكن المضخة معطلة، والبذرة قد تصل إلى الفلاح لكنه لا يستطيع الوصول إلى السوق، ولذلك لا ينجح التدخل الذي يعالج حلقة واحدة ويترك بقية السلسلة مكسورة.
قبل الحرب، كانت الزراعة جزءاً مهماً من اقتصاد سوريا، ومن الحياة الاجتماعية في مناطق واسعة من الجزيرة، وحوض الفرات، وسهول حوران، وسهل الغاب، لكن الجفاف السابق للحرب، والضغط على المياه والتغيرات السكانية، أظهرت هشاشة منظومة تعتمد على موارد مائية محدودة وإدارة متفاوتة الكفاءة.
ثم جاءت الحرب لتضيف دمار القنوات والآبار وشبكات الكهرباء والمخازن، وتشتت الخبرات، ونزوح المزارعين، فضلاً عن تغير السيطرة على الأراضي وطرق التجارة، ولا يمكن إصلاح هذا الإرث بقرار مركزي واحد، لأن شروط الزراعة في الشمال الشرقي تختلف عن الساحل وعن الجنوب، ولأن محصول القمح يحتاج إلى ترتيبات مختلفة عن الزيتون أو الخضراوات أو تربية الأغنام.
هنا تظهر قيمة التخطيط الزراعي المحلي، فالدولة تستطيع وضع أهداف للأمن الغذائي، لكنها تحتاج إلى بيانات محدثة عن التربة والمياه والملكية والطرق والأسواق، وإلى مشاركة المزارعين الذين يعرفون ما حدث للأرض خلال سنوات الغياب، والاعتماد على نموذج واحد قد يؤدي إلى تشجيع محاصيل كثيفة استهلاك المياه في مناطق لم تعد تتحملها، أو إلى بناء مشاريع ري كبيرة لا تستطيع المجتمعات المحلية صيانتها.
أما الاستثمار في إصلاح القنوات القائمة، وتدريب الفنيين المحليين، وتنظيم جمعيات مستخدمي المياه، فقد يعطي أثراً أسرع وأكثر استدامة في بعض المناطق، والمهم أن تصبح الخطة قابلة للتعديل عندما تتغير الظروف، لا أن تكون وثيقة جميلة لا تقرأها القرية.
وتبقى المياه هي العقدة الكبرى.. فالأحواض المشتركة، والأنهار والسدود والمياه الجوفية، تتأثر بالمناخ وبسياسات الدول المجاورة وبالاستهلاك الداخلي، ولا تستطيع سوريا أن تفصل ملفها الزراعي عن دبلوماسية المياه أو عن كفاءة الاستخدام.
كما ان الري بالتنقيط أو تحسين توقيت السقاية ليس علاجاً سحرياً، لكنه قد يقلل الهدر في بعض المحاصيل، بينما تحتاج محاصيل أخرى إلى إعادة النظر في مواقع زراعتها أو في أصنافها.
ومن الخطأ أن يحمل الفلاح وحده مسؤولية التكيف مع الجفاف، فهو لا يستطيع أن يشتري معدات حديثة أو يحفر بئراً قانونية أو يغير محصوله بسهولة إذا كانت الأسواق والائتمانات والأسعار غير مستقرة.
كما أن مسألة الأرض ترتبط بالعدالة، فالعائلة النازحة التي تريد العودة تحتاج إلى إثبات ملكيتها، وإلى حل نزاعات قد تكون نشأت أثناء غيابها، وإلى ضمان أن الاستثمار في أرضها لن يضيع بسبب تغيير إداري مفاجئ، وإذا لم تحل هذه القضايا بصورة شفافة، فقد تتحول مشاريع الإعمار نفسها إلى مصدر صراع جديد، لأن الأرض في الريف ليست أصلاً مالياً فقط، إنها ميراث وبيت ومقبرة وذاكرة، ولذلك ينبغي أن تسير إعادة تأهيل الزراعة مع إصلاح السجلات العقارية وآليات فض النزاعات وحماية حقوق النساء والورثة والنازحين.
كما ان المرأة الريفية ليست تفصيلاً في هذه الصورة، ففي كثير من المجتمعات الزراعية تقوم النساء بأعمال إنتاجية ورعائية واسعة، لكن وصولهن إلى التمويل والتدريب والملكية قد يكون أقل من الرجال، وعندما يغيب أفراد الأسرة بسبب الحرب تتوسع مسؤولياتهن من دون أن تتوسع حقوقهن بالضرورة، لذا فإن برنامج التعافي الذي يتعامل مع الأسرة بوصفها وحدة متجانسة قد لا يرى من يعمل فعلياً في الأرض أو من يتحمل عبء الغذاء والرعاية.
ولا ينبغي المبالغة في الوعود، فإعادة بناء القطاع ستحتاج إلى سنوات من الأمن والاستثمار والتعاون الإقليمي وإصلاح المؤسسات، لكن الأولويات واضحة: أرض آمنة، وماء قابل للإدارة، وبذور مناسبة، وطرق وأسواق، وحقوق ملكية، وخدمات بيطرية وإرشادية، ومؤسسات تسمع المزارع قبل أن تصمم المشروع.
ان سوريا التي تريد العودة إلى الحياة الطبيعية تحتاج إلى أن يعود الخبز نتيجة عمل مستقر لا نتيجة معونة طارئة، وأن تصبح القرى جزءاً من المستقبل لا بقايا جغرافية للحرب، ويجب أن يكون التعليم الزراعي جزءاً من التعافي أيضاً، فالمعاهد المهنية والجامعات السورية تستطيع أن تؤدي دوراً يتجاوز إنتاج الدراسات، عبر إرسال فرق إلى القرى لتجريب أصناف أكثر ملاءمة للظروف المحلية، وتطوير حلول منخفضة الكلفة لمراقبة الرطوبة، وصيانة شبكات الري، وتحسين تخزين المحاصيل.
كما أن إنشاء خدمات إرشاد تعمل باستمرار أفضل من توزيع معدات لا يعرف المزارع كيف يصلحها بعد تعطلها، ومن الضروري ربط هذه البرامج بالتعاونيات المحلية وبالقطاع الخاص الصغير، حتى لا ينتهي المشروع بانتهاء التمويل الخارجي.
وفي ملف الثروة الحيوانية، يحتاج المربي إلى لقاحات وخدمات بيطرية وأعلاف وأسواق منظمة، لأن خسارة قطيع صغير قد تمحو مدخرات عائلة كاملة.
أما الأمن الغذائي فلا ينبغي قياسه بكمية القمح المنتجة وحدها، بل بقدرة الأسرة على الحصول على غذاء متنوع ومناسب بصورة منتظمة، وعندما يعود الطفل إلى المدرسة لأن الأسرة لم تعد تحتاج إلى عمله في البحث عن الماء أو الدخل، يكون المشروع الزراعي قد حقق نتيجة اجتماعية أوسع من إنتاج محصول إضافي.
ومن المفيد أن يربط التعافي الزراعي بإصلاح منظومة التخزين، لأن جزءاً من المحصول قد يضيع بعد الحصاد بسبب ضعف المستودعات والنقل والفرز، ويمكن لمخازن صغيرة تعاونية وأسواق جملة منظمة أن تحسن دخل المزارع من دون زيادة الضغط على المياه، كما أن الشفافية في شراء الحبوب وتحديد الأسعار تمنع أن يتحول الدعم إلى امتياز لفئة محدودة، فالسياسة الزراعية الناجحة لا تقاس بما يزرع فقط، بل بما يصل سليماً إلى المستهلك وما يبقى منه دخلاً عادلاً لمن عمل في الأرض.