الأمين العام للمشروع الوطني:
السيادة لا تتحقق بخروج القوات الأجنبية وبقاء القرار الإيراني..
وجرف الصخر عنوان للظلم والإطار يتحمل مسؤولية المظالم
بغداد - سدن
وجّه الأمين العام للمشروع الوطني العراقي، الشيخ جمال الضاري، انتقادات حادة إلى النظام السياسي والقوى المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة، محملاً الإطار التنسيقي المسؤولية الأولى عن المظالم التي يتعرض لها العراقيون، ومتهماً حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بالتراجع عن تعهداتها المتعلقة بحصر السلاح ومكافحة الفساد، فيما حذر من تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة قد يتعرض لها العراق إذا استمر خضوع القرار الوطني للتدخلات الخارجية.
وقال الضاري، خلال مقابلة مع الإعلامية سجد الجبوري في برنامج (على الحافة) عبر قناة (الشرقية نيوز)، إن انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول الماضي يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي لإعلان استعادة السيادة، مشدداً على أن "السيادة ليست خروج جندي، بل خروج القرار الأجنبي من البلد".
واعتبر أن المفارقة تكمن في احتفال قوى سياسية ومسلحة بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي، بينما تواصل الاحتفاظ بأسلحتها خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة، وتتلقى بعض تشكيلاتها، بحسب قوله، أوامر من جهات خارج العراق.
وأكد الضاري أن رئيس الوزراء علي الزيدي تعهد للعراقيين وللجانب الأميركي بإنجاز ملفين أساسيين، هما نزع سلاح الفصائل ومحاسبة الفاسدين، لكنه لم يلتزم بالمهلة التي حددها حتى 30 أيلول، معتبراً أن تأجيل معالجة ملف السلاح ليس سوى "تسويف" تحكمه حسابات سياسية.
وقال، إن الزيدي يحظى بدعم كبير، وإن المبعوث الأميركي توم باراك قدمه إلى الرئيس دونالد ترامب باعتباره الشخصية القادرة على إنجاز ما عجز عنه رؤساء الحكومات السابقون، الأمر الذي يضاعف مسؤولياته تجاه التعهدات التي قطعها.
وأضاف أن رئيس الوزراء بات أمام خيارين، إما المضي في تنفيذ التزاماته وفرض سلطة الدولة، أو مصارحة العراقيين بعجزه عن ذلك، مؤكداً أن رئاسة الحكومة مسؤولية وأمانة وليست نزهة.
وشدد الضاري على رفضه إراقة الدم العراقي، لكنه أكد ضرورة تطبيق القانون على جميع الجهات دون استثناء، محذراً من أن عجز الحكومة عن مواجهة من يتحدى سلطتها قد يقود البلاد إلى فوضى واسعة.
وانتقد الضاري تشكيل اللجان التحقيقية دون إعلان نتائج ملموسة، متسائلاً عن مصير التحقيقات المتعلقة باستهداف المواقع المدنية والعسكرية العراقية، وكذلك الهجمات التي تطال دولاً شقيقة.
وفي الملف الإقليمي، أعلن الضاري رفضه وجود الحوثيين في العراق، معتبراً أنه ليس من المنطق السماح لجهة وصفها بأنها مصنفة إرهابياً بتنفيذ عمليات انطلاقاً من الأراضي العراقية ضد المملكة العربية السعودية.
وأكد أن المصلحة الوطنية العراقية تقتضي الوقوف إلى جانب الاستقرار الإقليمي، ومنع استخدام البلاد منطلقاً للاعتداء على الدول العربية أو تهديد مصالح العراق وعلاقاته الخارجية.
وتوقف الشيخ الضاري، عند تصريحات هادي العامري بشأن تدخله لإقناع الفصائل بعدم استهداف السعودية، متسائلاً عن سبب عدم ممارسة الجهود نفسها لوقف الهجمات على إقليم كردستان ومطار أربيل ومقر رئيس حكومة الإقليم.
وقال إن السلاح الذي لا يخضع لأوامر الدولة، سواء حملته جماعات سنية متطرفة أو شيعية متطرفة، يمثل تهديداً واحداً للعراقيين، مؤكداً رفضه التمييز بين الجماعات المسلحة على أساس هويتها المذهبية.
وذهب الضاري إلى وصف تنظيم داعش بأنه "صنيعة" جهات خلقت الظروف التي سمحت بظهوره وسهلت له، محذراً من احتمال إعادة توظيف التنظيم.
وفي انتقادات مباشرة لبنية النظام السياسي، قال الضاري إن المكون السني محروم من رئاسة الأجهزة الأمنية، ومن المشاركة الفعلية في صناعة القرار، معتبراً أن المحاصصة السياسية والطائفية ما زالت تتحكم بمؤسسات الدولة.
وحمّل الإطار التنسيقي المسؤولية الأساسية عن استمرار المظالم، باعتباره القوة السياسية الحاكمة، مستعيداً مرحلة حكم نوري المالكي وما شهدته المحافظات الغربية من احتجاجات وتوترات أمنية، وما أعقبها من ملفات المختطفين والمغيبين قسراً ونفوذ الفصائل ومكاتبها الاقتصادية.
ووصف مدينة جرف الصخر بأنها أصبحت "عنواناً للظلم"، مشيراً إلى استمرار حرمان سكانها من العودة إلى منازلهم منذ أكثر من عشر سنوات، وإلى عجز رؤساء الحكومات المتعاقبين عن فرض سلطتهم عليها.
وقال إن الحكومات السابقة، من حيدر العبادي إلى عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، تحدثت عن إجراءات أمنية وتدقيق يسمح بعودة الأهالي، لكن تلك الوعود لم تتحول إلى نتائج.
وطالب رئيس الوزراء علي الزيدي بإنهاء هذا الملف وإعادة النازحين إلى مناطقهم، معتبراً أن استمرار بقاء العائلات بعيداً عن منازلها يمثل دليلاً على خلل عميق في سلطة الدولة.
وكشف الضاري أن حزبه (المشروع الوطني العراقي) تعرض للإقصاء حتى من المشاركة في اجتماعات ائتلاف إدارة الدولة، مؤكداً أن النظام السياسي الحالي لا يُرتجى منه إصلاح حقيقي ما لم يراجع أسسه وممارساته.
وحذّر الضاري من أن استمرار السلاح خارج الدولة قد يعرض العراق لعقوبات اقتصادية أميركية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من هشاشة بنيوية واعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية.
وأشار إلى أن أزمة إغلاق مضيق هرمز كشفت حجم المخاطر التي تواجه الصادرات العراقية، لافتاً إلى أن إيران لم تمنح العراق استثناءً يتيح مرور نفطه، رغم العلاقات السياسية الوثيقة التي تربطها بقوى عراقية نافذة.
وانتقد في المقابل، الضغوط التي مارستها بعض الأطراف على رئيس الوزراء بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على شركات الطيران الإيرانية، معتبراً أن تلك المواقف تعكس تقديم المصالح الخارجية على المصالح العراقية.
وقال إن إيران استفادت من مساعدتها للعراق بأضعاف قيمة الأسلحة التي قدمتها، وصولاً إلى التأثير في القرار السياسي العراقي.
كما حذّر من تداعيات أي قرار أميركي بتقييد تدفقات الدولار إلى العراق، متسائلاً عن قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية في حال تعرض النظام الاقتصادي لمثل هذه الضغوط.
وأعلن الضاري أن (المشروع الوطني العراقي) اتخذ قراراً بعدم المشاركة في الانتخابات، احتجاجاً على تغيير القوانين الانتخابية وفقاً لمصالح القوى النافذة، وهيمنة المال السياسي الفاسد والسلاح المنفلت على العملية الانتخابية.
وأعرب عن إحباطه من توقف حملة (صولة الفجر) التي استهدفت ملاحقة المتورطين بالفساد، قائلاً إن الملاحقات باتت تقتصر على الموظفين الصغار، بينما لم تطل ما وصفها بـ"إمبراطوريات الفساد".
وطالب بوقف هدر المال العام ومحاسبة المسؤولين عن ملفات الفساد الكبرى، معتبراً أن غياب المحاسبة الفعلية يضعف ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
وفي تقييمه للنظام السياسي القائم منذ عام 2003، وصف الضاري السياسة الأميركية في العراق بأنها "فاشلة"، محمّلاً الاحتلال الأميركي مسؤولية تأسيس نظام المحاصصة الطائفية والإشراف على صياغة دستور عام 2005.
واستغرب احتفال قوى سياسية بالسيادة في الوقت الذي تتمسك فيه بنظام دستوري وسياسي نشأ خلال مرحلة الاحتلال، مشيراً إلى أن رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، سبق أن تناول المشكلات الدستورية ودعا إلى مراجعة المواد الخلافية.
ودعا الضاري إلى حوار وطني شامل لا يقتصر على الأحزاب الحاكمة، بل يضم النقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية، وممثلي مختلف مكونات المجتمع، بهدف التوصل إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لنظام سياسي يتجاوز المحاصصة.
وكشف أنه سبق أن طرح فكرة الحوار الوطني على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وناقشها مع الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح، غير أن المبادرات اللاحقة اقتصرت على القوى السياسية التقليدية ولم تحقق النتائج المطلوبة.
واستحضر الضاري احتجاجات تشرين عام 2019، متسائلاً عن مصير مطالب المتظاهرين وملفات قتلى الاحتجاجات والجهات المسؤولة عن استهدافهم، معتبراً أن عدم حسم هذه القضايا يعكس غياب الإرادة السياسية للإصلاح.
واختتم الضاري مواقفه بالتأكيد أن العراق يمتلك الكفاءات والقدرات اللازمة لبناء نظام وطني عادل، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تنهي احتكار السلطة والسلاح والقرار، وتحول السيادة من مناسبة للاحتفال إلى واقع تفرضه مؤسسات الدولة والقانون.