منذ أيام، وثمة سؤال يطاردني، وهو كيف لأحمد داوود أوغلو، الذي أغلق حزبه (المستقبل) في تركيا قبل أسابيع، أن يرى مستقبل العراق بهذه السرعة؟
ثم قلت لنفسي، لا تكن قاسياً يا محمد، فربما وجد ابن داوود في بغداد ما فقده في أنقرة، حيث جمهور من السياسيين مستعد لتصديق أن العصر الذهبي يمكن أن يبدأ بخطاب!
نعم.. كثيرة هي "النكات" التي يمكن أن تنطبق على كلمة وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو، في تأبين جلال طالباني، فالرجل قدم خطاباً تجاوز التأبين إلى إعادة اكتشاف نفسه.. والعراق معاً، بحيث تبين أنه عراقي وبغدادي، والعراقيون جميعاً (إسطنبوليون)، وأن عاصمة العراق، بغداد، تعيش عصراً ذهبياً يشبه عصرها العباسي في القرنين الثامن والتاسع!
وأحمد داوود أوغلو لم يكن سياسياً بسيطاً، فقد كان من أبرز وجوه السياسة التركية، ووزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء، وارتبط اسمه طويلاً بنظرية (العمق الاستراتيجي)، التي أرادت لتركيا حضوراً واسعاً في محيطها الإقليمي، ثم اختلف مع الرئيس أردوغان، وغادر حزب العدالة والتنمية، وأسس حزب (المستقبل)، في محاولة لبناء مشروع سياسي مستقل.
لكن (المستقبل) لم يعمر طويلاً، فقد انتهت تجربته السياسية بمؤتمر للحل في 22 آب/اغسطس الماضي، بعد إخفاقه في تحويل اسم رئيس وزراء سابق إلى قوة شعبية مستقلة ووازنة في تركيا.
وبعد أسابيع من ذلك، يحط داوود أوغلو رحاله في بغداد، وأمام السياسيين والكاميرات والميكروفونات، يقول إنه حين زار بغداد عام 2014، وجدها تعاني مشكلات أمنية واقتصادية، أما اليوم - والكلام لابن داوود - فقد وجدها على الطريق الصحيح.. بل تعيش عصراً ذهبياً يشبه العصر الذهبي لبغداد العباسية!
وبما أن بعض ساسة بغداد مولعون بهذا النوع من الضحك على الذقون، فلما شاهد استبشارهم، تحمس وقال: أنا عراقي.. وبغدادي، ثم أنتفخ أكثر وصاح: أن العراقيين جميعاً إسطنبوليون!
وكم كنت أتمنى أن يكون المرحوم خالد القشطيني والأستاذ داوود الفرحان حاضرين، لقالا في ابن داوود التركي ما لم يقله الملا عبود، بداوود اللمبجي البغدادي!
فلست أدري أي بغداد شاهدها الضيف التركي، وأي عصر ذهبي اكتشفه، وهل كان يتحدث عن بغداد التي نعرفها، أم عن بغداد أخرى لا تظهر إلا للضيوف الذين تحيط بهم المواكب الرسمية، وتفتح أمامهم الطرق المغلقة، بعيداً عن زحام الشوارع وأزمات الكهرباء والخدمات؟
فالعصر العباسي الذي استحضره داوود أوغلو لم يكن مجرد أبنية وقصور وخطابات، كانت بغداد آنذاك مركزاً للعلم والترجمة والفلسفة والتجارة، وقبلة للعلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، ولا يحتاج المرء إلى أن يكون مؤرخاً أو خبيراً في (العمق الاستراتيجي) ليدرك الفارق بين المدينتين، ولا إلى زيارة طويلة للعراق حتى يلاحظ أن الحديث عن عصر ذهبي جديد يسبق الواقع بمسافة كبيرة.
والأطرف أن داوود أوغلو، الذي أمضى سنوات يتحدث عن مستقبل تركيا وموقعها في العالم، لم يجد في بلاده ما يكفي لإنقاذ مشروعه الحزبي، لكنه وجد في زيارة قصيرة إلى بغداد ما يكفي لإعلان عصر ذهبي جديد للعراق.
ومع ذلك، لا ألوم الرجل كثيراً.. فقد جاء إلى مناسبة تأبين، وربما أراد أن يترك لدى مضيفيه انطباعاً طيباً، فزاد قليلاً في المديح، ثم وجد من يستحسنه، فزاد أكثر، حتى انتهى به الأمر إلى نقل بغداد من مشكلاتها اليومية إلى القرن التاسع الميلادي، دون أن يحتاج إلى آلة زمن.
أما إعلان عراقيته وبغداديته، ومنح العراقيين الجنسية الإسطنبولية بالمقابل، فهذه حكاية أخرى، وأخشى إن عاد الرجل إلى بغداد مرة ثانية، أن يكتشف أننا جميعاً أبناء عمومة السلطان محمد الفاتح، وأن دجلة ليس إلا امتداداً طبيعياً لمضيق البوسفور!
ولأنني لا أريد أن أظلم ابن داوود، فسأترك له حق الاحتفاظ بتفاؤله، بل أتمنى أن تتحقق نبوءته، وأن تستعيد بغداد شيئاً من مكانتها التاريخية، وأن تصبح عاصمة للعلم والاقتصاد والثقافة، لا مجرد مدينة يتغنى بماضيها الضيوف.
لكن إلى أن يحدث ذلك، ليت ضيفنا العزيز يخبرنا أين وجد هذا العصر الذهبي، حتى نزوره نحن أيضاً، فربما كان أحمد داوود أوغلو أول سياسي في التاريخ يخسر (المستقبل) في بلاده، ثم يعثر على العصر الذهبي في بلد آخر.. خلال زيارة تأبين!