واشنطن - سدن
في الوقت الذي تطالب فيه أوكرانيا حلفاءها بتشديد الخناق الاقتصادي على موسكو، فتحت واشنطن نافذة لتصدير الديزل الروسي، على أمل أن يتحول الحافز التجاري إلى مدخل لإعادة التفاوض بشأن الحرب.
وتبدو الفكرة بسيطة في ظاهرها، حيث تمنح الولايات المتحدة روسيا فرصة بيع الوقود، فترد موسكو بمرونة سياسية، لكنها في التطبيق تواجه سؤالاً لم تستطع الجهود الدبلوماسية السابقة حسمه: لماذا يغيّر الكرملين شروطه الأساسية مقابل مكسب اقتصادي محدود إذا كان يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته؟
وقد كشفت وكالة (رويترز) في تقرير نشرته مساء 12 أكتوبر تفاصيل اجتماع أميركي أوكراني في ميامي، ظهر فيه هذا التناقض بين منطق الصفقة السريعة ومتطلبات تسوية حرب طويلة.
وبحسب (رويترز)، قال أشخاص مطلعون على الاجتماع إن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أبلغا مسؤولين أوكرانيين أن اتفاق الديزل، الذي يسمح بتوريد أكثر من 2.25 مليون برميل إلى الأسواق الأميركية والعالمية، يهدف إلى تليين موقف الرئيس فلاديمير بوتين وإعادته إلى المحادثات، كما طلب الجانب الأميركي من كييف وقف ضرب المصافي الروسية، على أساس أن هذا قد يشجع موسكو على خطوة مقابلة، غير أن المسؤولين الأوكرانيين لم يقدموا التزاماً رسمياً، وأبدوا استعداداً لهدنة متبادلة إذا التزمت روسيا بها، وتلك نقطة جوهرية، فالحديث عن وقف استهداف منشآت الطاقة لا يساوي اتفاقاً قائماً، خصوصاً مع استمرار الهجمات المتبادلة وعدم تأكيد الطرفين ما أعلنه ترامب عن هدنة في هذا القطاع.
وقدمت صحيفة (لوموند) الفرنسية، في تغطيتها لاتفاق الديزل، زاوية إضافية تتعلق بالانتخابات النصفية الأميركية وارتفاع أسعار الوقود، إذ ترى أن الرئيس الأميركي يبحث عن وسيلة لخفض كلفة الطاقة قبل اقتراع نوفمبر، وهنا تتداخل السياسة الخارجية مع الحسابات الداخلية على نحو مباشر، فقرار تخفيف القيود على منتج روسي لا يُقرأ فقط باعتباره أداة تفاوض مع بوتين، بل أيضاً محاولة لتهدئة ناخب أميركي لا يضع مستقبل دونباس في مقدمة اهتماماته اليومية، لكن ما يفيد الرئيس في مواجهة أسعار الوقود قد يضعف صدقية العقوبات التي يفترض أنها تضغط على موسكو كي تتوقف عن الحرب.
وتكشف تجربة المفاوضات السابقة، أن الإشارات الرمزية تصبح مفيدة فقط عندما تقترن بآلية، تضمن عدم تراجع الأطراف بعد الحصول على المكاسب، فاللقاءات الرفيعة وتصريحات التفاؤل قد تخفف التوتر مؤقتاً، لكنها لا تغير الحسابات العسكرية إذا بقيت الأهداف الإقليمية على حالها، ولهذا يحتاج أي مسار جديد إلى دور أوروبي واضح في التحقق والضمانات، لأن الدول الأقرب إلى الحرب ستكون أول من يدفع ثمن اتفاق لا يصمد.
ويزداد الموقف تعقيداً لأن الطرفين لا يتفقان أصلاً على تعريف التسوية، فقد نقلت (رويترز) عن شخص قريب من الكرملين، أن بوتين يريد السيطرة على الجزء المتبقي من دونباس الذي لا تسيطر عليه روسيا، بينما تؤكد أوكرانيا رفض التنازل عن أراض إضافية، وإن كانت لا تستبعد بحث تجميد القتال على خطوط التماس ضمن اتفاق أوسع، ولذلك فإن صفقة الوقود لا تعالج أصل الخلاف، بل تختبر إمكان فتح قناة تفاوضية جديدة، وقد تكون الإشارة السياسية مفيدة في بعض الظروف، لكن تحويلها إلى نجاح قبل ظهور تنازل روسي ملموس يخلق فجوة بين خطاب الوساطة وواقع الميدان.
ومن المهم أيضاً التمييز بين رغبة واشنطن في تخفيف أسعار الوقود وبين قدرة الكميات المتفق عليها على تحقيق ذلك فعلياً، فخبراء نقلت عنهم (رويترز) شككوا في التأثير الكبير للصفقة على السوق الأميركية، لأن الكمية المعلنة أقل من استهلاك قطاع النقل الأميركي ليوم واحد، وإذا كان الأثر السعري محدوداً، فإن الثمن السياسي قد يصبح أكبر من المكسب الاقتصادي، ولا سيما حين تنظر كييف إلى الاتفاق بوصفه مكافأة لروسيا من دون ضمانات، كما أن أي طلب بوقف ضرب المصافي الروسية يجب أن يقابله التزام موثق بوقف استهداف البنية التحتية الأوكرانية، وإلا تحولت التهدئة إلى تفاوت جديد في قدرة الطرفين على الضغط.
ولا يعني هذا أن الحوافز الاقتصادية محرمة في الدبلوماسية، فقد نجحت تسويات عديدة حين ربطت تخفيف العقوبات بخطوات متبادلة قابلة للتحقق، لكن المشكلة هنا هي ترتيب المراحل، إذا جاء الامتياز أولاً وتأخر المقابل، فإن الطرف المستفيد يستطيع الاحتفاظ بالمكسب ثم العودة إلى شروطه السابقة، أما إذا ارتبطت كل شحنة أو إعفاء بتقدم محدد في وقف النار أو تبادل الأسرى أو آليات المراقبة، فقد يصبح الحافز جزءاً من هندسة اتفاق أوسع، وهذه الهندسة تحتاج إلى قبول أوكراني وأوروبي، لأن آثار الحرب لا تتحملها الولايات المتحدة وحدها، ولا يجوز التعامل مع أمن كييف كمتغير تابع لأسعار محطات الوقود الأميركية.
ان اتفاق الديزل يكشف حدود الدبلوماسية التي تتعامل مع الحروب كأنها نزاعات تجارية يمكن إنهاؤها بإعادة فتح سوق مغلقة، فالحرب الروسية الأوكرانية تتعلق بالأرض والسيادة والضمانات الأمنية، وهي ملفات لا تنحل تلقائياً حين تتحرك ناقلات الوقود، وقد يكون الاختبار الحقيقي للصفقة هو ما إذا كانت ستنتج التزاماً روسياً محدداً يمكن مراقبته، لا ما إذا كانت ستوفر لواشنطن عنواناً مريحاً قبل الانتخابات.
وإلى أن يحدث ذلك، يبقى الديزل الروسي أداة ضغط محتملة أكثر منه طريقاً مثبتاً إلى السلام.