لندن - سدن
في السياسة الأوروبية تجاه ليبيا مفارقة يصعب إخفاؤها، فالاتحاد الأوروبي يعترف رسمياً بالحكومة الموجودة في طرابلس، لكنه يحتاج إلى التعامل مع سلطات الشرق التي يسيطر عليها خليفة حفتر للحد من الهجرة عبر البحر المتوسط.
وهذه ليست مجرد ازدواجية بروتوكولية، بل نتيجة لانقسام دولة أصبحت فيها الحدود والموانئ وطرق التهريب موزعة بين مراكز نفوذ متنافسة.
وقد كشفت وكالة (رويترز) اليوم 13 أكتوبر تخصيص الاتحاد الأوروبي تمويلاً إضافياً بقيمة 25 مليون يورو لتوسيع التعاون مع شرق ليبيا في إدارة الحدود والبحث والإنقاذ ومكافحة شبكات التهريب، وهي خطوة تكشف انتقال بروكسل من الاكتفاء بالتعامل مع الحكومة المعترف بها، إلى سياسة براغماتية تفرضها جغرافيا الهجرة.
وبحسب (رويترز)، يشمل التعاون الجديد العمل على قدرات التنسيق البحري في بنغازي، في وقت ارتفعت فيه حركة المغادرين من مناطق تخضع لسلطات الشرق.
ويستند المنطق الأوروبي إلى أن إنقاذ الأرواح وملاحقة المهربين يتطلبان قنوات اتصال مع الجهات التي تسيطر فعلياً على السواحل، بصرف النظر عن الخلافات المتعلقة بشرعيتها السياسية، لكن هذا المنطق يفتح سؤالاً حساساً، حيث هل يمكن تمويل أجهزة أمنية تابعة لسلطة غير معترف بها من دون أن يتحول التمويل إلى اعتراف عملي بها؟ وقد تحاول بروكسل الفصل بين التعاون التقني والموقف السياسي، غير أن الأطراف الليبية نفسها تستطيع استخدام الاتفاقات والزيارات والتمويل في معارك الشرعية الداخلية.
ولا يأتي التحول من فراغ، ففي يوليو 2025، منع مفوض الهجرة الأوروبي ووزراء من دول أوروبية من دخول بنغازي بعد خلاف وصفته بروكسل بأنه بروتوكولي، وفق تغطية سابقة لوكالة (رويترز)، وكانت الحادثة دليلاً على أن السلطات الشرقية لا تريد أن تعامل بوصفها جهة تنفيذية ثانوية، بل طرفاً يفرض شروط التعامل معه، أما اليوم، فإن توسيع التعاون المالي يوضح أن الضرورة الأمنية الأوروبية دفعت إلى تجاوز جانب من ذلك التوتر، وفي المقابل، تستطيع سلطات الشرق أن تقدم الاتفاق بوصفه نجاحاً سياسياً يثبت أن أوروبا تحتاج إليها، وهو مكسب لا يتعلق بالهجرة وحدها بل بموازين التفاوض الليبي الداخلي.
ومن زاوية ليبية، لا يمكن تجاهل أن سكان المدن الساحلية يعانون بدورهم من شبكات التهريب والعنف وانعدام الخدمات، وأن بعضهم ينظر إلى التعاون الدولي باعتباره فرصة لتقوية مؤسسات محلية ضعيفة، غير أن هذه الحاجات المشروعة لا تبرر منح أي جهاز حصانة من المساءلة، فالمطلوب بناء قدرة عامة تخدم المواطنين والمهاجرين، لا ترسيخ نفوذ جماعة مسلحة تحت عنوان إدارة الحدود، وهو فارق تحدده الشفافية والرقابة المستقلة.
غير أن أخطر ما في الملف يتعلق بحقوق المهاجرين أنفسهم، فقد ذكرت (رويترز) في يونيو أن منظمة العفو الدولية اتهمت الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ في انتهاكات ارتكبت خلال حملات على مهاجرين في مناطق ليبية مختلفة، بينما تقول المفوضية الأوروبية إنها تعزز آليات الرقابة على حقوق الإنسان وتعمل على الحد من التهريب وإنقاذ الأرواح، وأوردت الأمم المتحدة في تقارير سابقة شهادات عن احتجاز تعسفي وعنف جنسي وتعذيب وعمل قسري يتعرض لها مهاجرون داخل ليبيا، ولذلك فإن نجاح أي برنامج أوروبي لا يمكن قياسه بانخفاض أعداد القوارب وحده، لأن تقليص الوصول إلى أوروبا عبر إعادة الناس إلى بيئة خطرة لا يساوي بالضرورة حمايتهم.
إن التمويل الأوروبي الجديد اعتراف بالواقع أكثر منه اعترافاً قانونياً بسلطات بنغازي، لكنه يوضح أن الجغرافيا قد تفرض على الدبلوماسية ما لا ترغب في قوله علناً، وسيكون معيار نجاح الخطوة ليس عدد الدوريات الممولة ولا الصور المشتركة، بل قدرتها على تقليل الوفيات والانتهاكات وتهريب البشر من دون إضعاف فرص الدولة الليبية الموحدة، فالاتحاد الأوروبي يستطيع أن يشتري تعاوناً أمنياً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع شراء استقرار مستدام من دولة ما زالت منقسمة بين حكومتين وسلسلتين متنافستين للقرار.