تفكيك

من القصف إلى الحصار..
هل بدأت واشنطن تغيير قواعد الحرب مع إيران؟

لندن - سدن
16 يوليو 2026
من القصف إلى الحصار..
هل بدأت واشنطن تغيير قواعد الحرب مع إيران؟

لندن - سدن

بدأت ملامح تحول لافت في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران تبرز بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن واشنطن لم تعد تراهن على الضربات الجوية وحدها لتحقيق أهدافها، بل تبحث عن أدوات ضغط أكثر شمولاً قد تعيد رسم مسار المواجهة.

ويأتي هذا التحول في ظل تصاعد العمليات العسكرية جنوب شرقي إيران، حيث شهدت محافظة سيستان وبلوشستان سلسلة هجمات استهدفت مواقع عسكرية حساسة خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة.

وقال الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية حميد رضا عزيزي إن الهجمات الأخيرة في سيستان وبلوشستان تكتسب أهمية استثنائية، نظراً إلى أن المحافظة تضم ميناء تشابهار، المنفذ البحري الإيراني الوحيد المطل على المحيط، كما أنها تعد إحدى أكثر المناطق حساسية بسبب نشاط الجماعات المسلحة البلوشية.

وأشار عزيزي إلى أن الهجوم الذي استهدف مقر اللواء 388 في مدينة بمبور، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، يحمل دلالات عسكرية مهمة، لأن هذا اللواء يتبع الفرقة المدرعة 88 المكلفة بالتصدي لأي عمليات إنزال برمائي محتملة على السواحل الجنوبية لإيران.

وأضاف أن محللين عسكريين إيرانيين يربطون بين هذه التطورات واستمرار تمركز مجموعة الإنزال البرمائي الأمريكية USS Boxer ضمن نطاق عمليات القيادة المركزية الأمريكية، ما دفع بعضهم إلى طرح فرضية أن واشنطن قد تدرس خيارات عسكرية تتجاوز الضربات الجوية التقليدية، مع عدم وجود أي إعلان أمريكي رسمي يؤكد ذلك.

وفي الوقت ذاته، برزت مراجعة لافتة داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية، بعدما أكد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق مارك إسبر أن الولايات المتحدة لن تحقق أهدافها في إيران عبر القصف الجوي وحده، معتبراً أن تكثيف الضربات لن يغيّر سلوك طهران أو يدفعها إلى التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز.

وقال إسبر، في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز، إن الخيار الأكثر فاعلية يتمثل في فرض ضغط اقتصادي شامل على الجمهورية الإسلامية، عبر خنق اقتصادها وإطالة أمد الضغوط المالية حتى تضطر إلى إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض.

وأضاف أن هذه السياسة تحتاج إلى وقت وصبر ودعم دولي، محذراً في المقابل من أن العالم سيدفع ثمنها عبر ارتفاع أسعار الطاقة والوقود خلال المرحلة المقبلة.

وتتزامن هذه التصريحات مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات هي الأعلى منذ بداية الحرب، وتراجع المخزونات النفطية الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود، في وقت يحذر فيه خبراء الطاقة من أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.

كما حذر إسبر من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية ويؤثر في جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة تحديات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها الصين.

وفي الاتجاه ذاته، دعت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس إلى منح الضغوط الاقتصادية الأولوية على حساب توسيع العمليات العسكرية، معتبرة أن إنهاك الاقتصاد الإيراني قد يحقق نتائج أكثر استدامة من مواصلة القصف.

وعند جمع هذه المؤشرات معاً، تبدو واشنطن وكأنها تقف أمام مرحلة انتقال في إدارة الحرب، لا نهاية لها.

فالضربات الجوية مستمرة، لكنها لم تحقق حتى الآن الأهداف السياسية المرجوة، وفي المقابل، تتزايد الدعوات داخل المؤسسة الأمريكية إلى نقل مركز الثقل من تدمير الأهداف إلى استنزاف الدولة الإيرانية اقتصادياً وأمنياً، مع الإبقاء على الضغط العسكري كأداة ردع.

أما التطورات في سيستان وبلوشستان، فلا تثبت بحد ذاتها وجود استعداد لعملية برية أمريكية، لكنها تكشف أن الجنوب الإيراني أصبح جزءاً من المشهد الاستراتيجي للحرب، وأن النقاش داخل الأوساط العسكرية لم يعد يقتصر على عدد الغارات الجوية، بل بات يتناول شكل المرحلة التالية وأدواتها.

وبذلك، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو كم غارة ستشنها واشنطن؟ بل أي حرب تريد الولايات المتحدة أن تخوضها بعد أن اعترف مسؤولون سابقون في أعلى هرمها العسكري بأن القصف وحده لن يحسم المواجهة؟

شارك المقال f 𝕏 in