واشنطن - سدن
في واحدة من أهم محطات زيارته إلى الولايات المتحدة، وجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي رسالة مباشرة إلى كبريات شركات الطاقة الأميركية والعالمية، معلناً أن العراق دخل مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على الشراكة الاستراتيجية، لا العقود التقليدية، ومؤكداً أن حكومته قررت إزالة جميع العقبات البيروقراطية أمام المستثمرين، وفتح الباب أمام استثمارات غير مسبوقة في قطاعات النفط والغاز والصناعة والطاقة.
وخلال لقاء موسع في مدينة هيوستن مع كبار رجال الأعمال والرؤساء التنفيذيين لشركات الطاقة، شدد الزيدي على أن العراق لم يعد يبحث عن شركات تنفذ مشاريع ثم تغادر، بل عن شركاء يساهمون في بناء اقتصاد طويل الأمد، قائلاً إن الحكومة تتبنى اليوم سياسة الباب المفتوح لتسريع تنفيذ المشاريع وضمان حقوق المستثمرين.
وأكد أن بغداد تمتلك رؤية واضحة لتحويل العراق إلى مركز إقليمي للطاقة والصناعة، مستنداً إلى موارده الضخمة وموقعه الجغرافي، وربطه بمشروع طريق التنمية وميناء الفاو الكبير، بما يجعله بوابة تجارية تربط آسيا بأوروبا.
وفي رسالة حملت أبعاداً سياسية واقتصادية، قال الزيدي إن العلاقات العراقية الأميركية لم تعد تقتصر على التعاون الأمني، بل تتجه نحو شراكة اقتصادية واسعة، مشيراً إلى أن "دماء العراقيين والأميركيين امتزجت في مواجهة الإرهاب، وحان الوقت لتحويل ذلك الانتصار إلى ازدهار واستقرار اقتصادي".
ووعد رئيس الوزراء بالإشراف شخصياً على إزالة أي معوقات تواجه المستثمرين، مؤكداً أن عامل الوقت أصبح أولوية بالنسبة للحكومة، وأن جميع الضمانات القانونية والإدارية ستكون متاحة للشركات الراغبة بالدخول إلى السوق العراقية.
كما استعرض سلسلة من الفرص الاستثمارية الكبرى، أبرزها استثمار الغاز المصاحب، وإنشاء مدينة الطاقة في البصرة، التي ستضم مصافي عالمية ومجمعات بتروكيمياوية وصناعات تحويلية، إلى جانب مشاريع الأسمدة والفوسفات والكبريت والزجاج، مستغرباً استمرار غياب صناعة الزجاج رغم امتلاك العراق واحداً من أكبر احتياطيات رمال السيليكا في المنطقة.
وفي السياق نفسه، انتقل الزيدي إلى مقر شركة شيفرون الأميركية، حيث عقد اجتماعاً مع رئيسها التنفيذي مارك نيلسون وأعضاء مجلس إدارتها، بحضور وزيري النفط والكهرباء وعدد من كبار المسؤولين العراقيين، في إطار مساعٍ لتوسيع حضور الشركة داخل العراق.
ودعا الزيدي الشركة إلى الإسراع في تنفيذ مشاريعها وزيادة استثماراتها، بما يدعم الخطة الحكومية الرامية إلى رفع إنتاج النفط الخام، وتوسيع قدرات التكرير، وزيادة إنتاج الغاز، وإنشاء مجمعات للصناعات الكيمياوية، فضلاً عن تطوير منافذ تصدير النفط ونقل أحدث التقنيات إلى العراق.
وأكد استعداد الحكومة لتوفير الأراضي والتراخيص والتسهيلات اللازمة لإنجاز هذه المشاريع، مجدداً التزام بغداد بتوفير بيئة استثمارية مستقرة وآمنة قادرة على استقطاب كبرى الشركات العالمية.
من جانبه، أبدى رئيس شركة شيفرون مارك نيلسون رغبة الشركة في توسيع استثماراتها داخل العراق، ولا سيما في الحقول الجنوبية، ومشاريع خطوط الأنابيب المؤدية إلى الموانئ الإقليمية، ومنشآت التخزين، مع العمل على تقليص مدد التنفيذ وتسريع إنجاز المشاريع.
وبحسب مراقبين سياسيين، فان لقاءات هيوستن تؤكد تحولاً لافتاً في الخطاب الاقتصادي العراقي، إذ لم تعد الحكومة تعرض فرصاً استثمارية فحسب، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الشركات العالمية، من علاقة تعاقدية قصيرة الأمد إلى شراكات استراتيجية طويلة المدى.
كما أن اختيار هيوستن، عاصمة صناعة الطاقة العالمية، ولقاء شركات بحجم شيفرون، يبعث برسالة مفادها أن بغداد تحاول الانتقال من مرحلة إدارة الثروة النفطية إلى مرحلة توظيفها في بناء قاعدة صناعية واقتصادية أوسع، وهو تحول، إذا ما اقترن بالإصلاحات الإدارية والاستقرار الأمني، قد يفتح الباب أمام أكبر موجة استثمارات يشهدها العراق منذ أكثر من عقدين.