لندن - سدن
من أكثر العبارات قسوة في الثقافة الحميمة تلك التي تقال أحياناً بنية التطمين: "هذا طبيعي.. تحملي قليلاً"، فالألم أثناء العلاقة الجنسية قد يحدث لأسباب مختلفة، وبعضها قابل للعلاج أو التحسن بصورة كبيرة، لكن الصمت والخجل والخوف من إغضاب الشريك قد يحولانه إلى تجربة متكررة تتراكم معها الحساسية والقلق والتجنب، والأسوأ أن الشخص الذي يشعر بالألم قد يبدأ في الشك بنفسه، فيظن أن المشكلة دليل على نقص الرغبة أو فشل العلاقة، بينما قد يكون السبب التهاباً أو حالة جلدية أو مشكلة في عضلات قاع الحوض أو جفافاً أو تغيراً هرمونياً أو مرضاً يحتاج إلى تقييم طبي، ولهذا فإن أول خطوة في ثقافة جنسية راقية ليست البحث عن طريقة لإخفاء الألم، بل الاعتراف بأن الألم معلومة مهمة عن الجسد لا ينبغي تجاهلها.
وتوضح مواد تثقيفية حديثة، صادرة عن مستشفيات تابعة لهيئة الخدمات الصحية البريطانية، أن عسر الجماع، وهو الألم أثناء العلاقة أو بعدها، قد يرتبط بحالات مثل التشنج المهبلي، وألم الفرج المزمن، واضطرابات عضلات قاع الحوض، والانتباذ البطاني الرحمي، والالتهابات أو حالات جلدية، وأن التشخيص يحتاج إلى فهم موضع الألم وطبيعته وتوقيته والأعراض المصاحبة، كما أن التغيرات بعد الولادة أو حول سن اليأس قد تؤثر في الأنسجة والراحة، لكن التشابه الظاهري في الأعراض لا يعني أن العلاج واحد للجميع، ولا يجوز أن يتحول المقال إلى تشخيص عن بعد، فالألم المتكرر أو الشديد أو المصحوب بنزف غير معتاد أو إفرازات أو حمى أو أعراض مقلقة يستحق مراجعة مختص، وقد تستدعي بعض الحالات تقييماً عاجلاً.
ومن المهم أولاً أن نفصل بين الرغبة والموافقة والألم، فالانسان يستطيع أن يحب شريكه ويرغب في القرب منه، ومع ذلك يشعر بألم عند نوع معين من اللمس أو الإيلاج، كما يستطيع أن يوافق على القرب ثم يغير رأيه عندما يبدأ الألم، فالموافقة ليست عقداً يستمر رغم تغير الظروف، بل قرار حر ومتجدد يمكن سحبه في أي لحظة، لذلك فإن الاستجابة الصحية من الشريك لا تكون بإقناع الطرف المتألم بأن (يكمل من أجله)، بل بالتوقف والإنصات، وعدم تحويل التجربة إلى اتهام أو اختبار للحب، وهذه ليست مجاملة أخلاقية إضافية، بل جزء من الوقاية، لأن تكرار الألم تحت الضغط، قد يخلق خوفاً يجعل الاسترخاء والقرب أصعب لاحقاً.
فأحياناً يحدث أن يصبح الجسد في حالة توقع للخطر، بعد تجارب مؤلمة متكررة، وقد يتوتر الشخص قبل أن يبدأ أي لمس، وقد تنقبض عضلات قاع الحوض بصورة لا إرادية، أو يزداد الانتباه لكل إحساس، فتتشكل حلقة بين الألم والقلق والتجنب، ولا يعني ذلك أن الألم (نفسي) أو متخيل، فالتجربة الجسدية حقيقية حتى عندما يتداخل فيها الجهاز العصبي والمشاعر، والتمييز بين العضوي والنفسي على نحو حاد قد يكون مضللاً، لأن الألم المزمن يتأثر بالأنسجة والأعصاب والعضلات والخبرة السابقة والعلاقة والسياق في الوقت نفسه، ولهذا قد يحتاج العلاج إلى تعاون طبيبة أو طبيب مختص مع علاج طبيعي لقاع الحوض أو دعم نفسي أو تثقيف جنسي، بحسب السبب المحدد.
وهنا تظهر مشكلة اللغة.. فكثيرون لا يعرفون كيف يصفون الألم، وقد يستخدمون كلمة واحدة لتجارب مختلفة، مثل حرقان عند المدخل، أو ألم عميق في الحوض، أو تقلص عضلي، أو حساسية جلدية، أو ألم يستمر بعد العلاقة، وهذه الفروق تساعد المختص على تحديد الاحتمالات، لكن الخجل قد يجعل المريض يكتفي بعبارة (لا أرتاح). ومن حقه أن يطلب فحصاً يحترم خصوصيته وأن يعرف لماذا يجرى كل إجراء وأن يرفض ما لا يريد، كما يستطيع أن يطلب وجود مرافق طبي أو اختيار مختص يشعر معه بالأمان عندما يكون ذلك متاحاً، فالكرامة أثناء الرعاية ليست تفصيلاً، إنها شرط لكي يطلب الناس المساعدة مبكراً.
أما الشريك، فيحتاج إلى فهم أن الدعم لا يعني التحول إلى طبيب أو مراقب، فليس مطلوباً منه أن يفسر كل عرض أو يبحث عن علاج سحري، بل أن يصدق تجربة الألم وأن يساعد في تخفيف الضغط، وأن يتقبل أن الحميمية أوسع من ممارسة واحدة، ويمكن للأزواج إعادة اكتشاف أشكال القرب التي لا تسبب ألماً، من الحديث واللمس الآمن والعناق إلى مشاركة الوقت، من دون اعتبارها (بديلاً ناقصاً)، فعندما تتوقف العلاقة عن الدوران حول واجب الأداء، قد يصبح الحديث عن العلاج أسهل، لأن الشخص المتألم لا يشعر بأنه مطالب بالشفاء بسرعة لإرضاء الآخر.
كذلك لا ينبغي تقديم المزلقات أو التدرج أو تمارين الاسترخاء بوصفها وصفة صالحة لكل حالة، فقد تكون بعض هذه الوسائل مفيدة وفق السبب، لكن استخدامها لتجاوز ألم غير مشخص قد يؤخر اكتشاف التهاب أو مرض أو حالة جلدية تحتاج إلى علاج محدد، وبعض المنتجات المعطرة أو المهيجة قد تزيد الانزعاج، كما أن النصائح المنتشرة على الشبكات الاجتماعية تتجاهل كثيراً الفروق الفردية، ولذلك تكون القاعدة الأهم هي عدم إجبار الجسد على ما يؤلمه، والبحث عن تقييم طبي عندما يتكرر الألم، ثم اختيار التدخل المناسب بناء على التشخيص لا على تجربة شخص آخر.
وفي المجتمعات التي تحيط الجنس بالصمت، تتحول المشكلة الطبية إلى عبء اجتماعي مضاعف، فقد تخشى المرأة أن يفسر ألمها رفضاً للزوج، وقد يخشى الرجل الذي يعاني ألماً أو اضطراباً جنسياً أن ينظر إليه باعتباره أقل رجولة، وقد يخشى الطرفان أن يعرف أحد من العائلة، وهذه المخاوف لا تختفي بمجرد ترديد عبارة (تحدثوا بصراحة)، لأن الصراحة تحتاج إلى ثقة وخصوصية، وإلى معرفة أن الطرف الآخر لن يستخدم الاعتراف لاحقاً كسلاح في الخلاف، ومن هنا تصبح الثقافة الجنسية جزءاً من ثقافة العلاقات، أي القدرة على الحديث عن الجسد بلا سخرية أو لوم أو تهديد.
وليس مطلوباً أن يعرف كل زوجين المصطلحات الطبية كلها، لكن من المفيد أن يعرفا حدود المعرفة العامة، فالألم المتكرر ليس قدراً، والرضا لا يقاس بالتحمل، والعلاج قد يكون ممكناً لكنه يحتاج إلى وقت، والاختلاف بين الأشخاص طبيعي، وإذا كان هناك تاريخ من تجربة مؤلمة أو اعتداء، فقد يكون التعامل مع القرب أكثر حساسية، ويستحق دعماً متخصصاً يحترم وتيرة الشخص وخياراته، ولا ينبغي أبداً استخدام هذه الاحتمالات لتفسير حالة فردية من دون معرفة أو موافقة.
ان العلاقة الحميمة الجيدة لا تقوم على غياب المشكلات طوال العمر، بل على طريقة التعامل معها عندما تظهر، فقد يتغير الجسد بعد الولادة أو المرض أو مع العمر، وقد تتغير الراحة والرغبة، لكن الاحترام يستطيع أن يجعل هذه التغيرات موضوع تعاون بدلاً من أن تصبح ساحة اتهام، وأهم ما يحتاج إلى تثبيت في الوعي هو أن الجسد ليس مطالباً بدفع ثمن الحب من صحته، وأن الشريك الذي يصغي إلى كلمة (يؤلمني) يحمي العلاقة أكثر مما يفعل أي وعد رومانسي، فالحميمية تبدأ من الأمان، والأمان يبدأ من حق الإنسان في أن يقول إن شيئاً يؤلمه وأن يجد من يصدقه.
ومن المفيد أن نميز بين الحرج الاجتماعي والخصوصية، فليس على الشخص أن يشارك تفاصيل حياته الحميمة مع عائلته أو أصدقائه كي يطلب علاجاً، كما أن الشريك لا يملك حق نقل هذه التفاصيل إلى الآخرين من دون موافقة، ويمكن أن يبدأ الحديث داخل العلاقة بجملة بسيطة تصف الإحساس والحاجة من دون اتهام، ثم يتحول إلى قرار مشترك بالبحث عن مساعدة مناسبة، وهذا القدر من الوضوح يحمي الكرامة ويمنع أن يصبح الألم سراً يفسد الثقة.