تفكيك

الجزيرة التي قد تحدد مصير مضيق هرمز..
 لماذا قصفت واشنطن طنب الكبرى؟

16 يوليو 2026
الجزيرة التي قد تحدد مصير مضيق هرمز..
 لماذا قصفت واشنطن طنب الكبرى؟

لم يكن اختيار الولايات المتحدة لجزيرة طنب الكبرى هدفاً لضرباتها الأخيرة ضد إيران قراراً عسكرياً اعتيادياً، بل رسالة استراتيجية تضرب في قلب المشروع الإيراني للسيطرة على مضيق هرمز، فالجزيرة العربية الإماراتية الصغيرة التي تحتلها إيران منذ عام 1971 وتؤكد دولة الإمارات أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها، ليست مجرد قطعة أرض في الخليج العربي، بل تمثل إحدى أهم العقد العسكرية التي بنت عليها طهران عقيدتها البحرية طوال العقود الماضية.

لماذا طنب الكبرى؟

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن الضربات التي استمرت نحو 90 دقيقة استهدفت منظومات الدفاع الساحلي، ومنصات إطلاق صواريخ كروز، ومستودعات عسكرية داخل الجزيرة، مؤكدة أن الهدف هو تقليص قدرة إيران على تهديد السفن التجارية في مضيق هرمز.

لكن القراءة العسكرية تشير إلى أن الهدف أبعد من تدمير بضعة صواريخ أو رادارات، فالضربة استهدفت إحدى أهم حلقات شبكة السيطرة الإيرانية على المضيق، وهي الشبكة التي تضم أيضاً جزر أبو موسى وطنب الصغرى وسيري وقشم ولارك وهرمز، والتي تصفها طهران بأنها قوسها الدفاعي في الخليج.

حاملة طائرات لا تغرق

وعلى مدى سنوات، اعتبر قادة الحرس الثوري هذه الجزر بمنزلة (حاملات طائرات ثابتة لا يمكن إغراقها)، لأنها تمنح إيران القدرة على نشر الصواريخ الساحلية، والرادارات، والزوارق السريعة، ومراقبة كل حركة تمر عبر المضيق.

وكان القائد السابق للقوات البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنغسيري، الذي قُتل في ضربة جوية استهدفته في بندر عباس خلال مارس الماضي، قد أكد في مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي أن خسارة طنب الكبرى تعني عملياً خسارة السيطرة على مضيق هرمز.

وقال تنغسيري، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية آنذاك، إن موقع الجزيرة يتيح لإيران مراقبة خطوط الملاحة والتأثير المباشر في حركة السفن العابرة.

معركة الممرات البحرية

لا يتعلق النزاع فقط بالجزيرة نفسها، وإنما بمن يملك حق تنظيم الملاحة داخل مضيق هرمز، فطهران تتمسك بأن السفن العابرة يجب أن تتحرك وفق إجراءات وتعليمات تضعها السلطات الإيرانية، بينما العالم كله متفق على أن المضائق ممرات مائية دولية لا يخضع لسيادة أي دولة منفردة.

ولهذا ترى أوساط عسكرية أن استهداف طنب الكبرى يمثل محاولة أمريكية لإسقاط إحدى أهم أدوات الضغط الإيرانية على حركة التجارة والطاقة العالمية.

احتلال يعود إلى عام 1971

وتعود قضية الجزر الإماراتية الثلاث إلى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، عندما احتلت إيران عسكرياً طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لإمارة رأس الخيمة، وجزيرة أبو موسى التابعة لإمارة الشارقة، وذلك قبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

ومنذ ذلك التاريخ تؤكد الإمارات أن الجزر أراضٍ إماراتية محتلة، وتطالب باستعادتها عبر الوسائل السلمية أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، بينما ترفض إيران أي تفاوض بشأن سيادتها عليها.

ليست قضية سيادة فقط

وتكتسب الجزر العربية الاماراتية الثلاث أهمية استثنائية بسبب موقعها عند المدخل الجنوبي للخليج العربي، حيث تشرف بصورة مباشرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.

وتشير دراسات استراتيجية إلى أن السيطرة على هذه الجزر تمنح قدرة كبيرة على مراقبة حركة السفن، ونشر أنظمة دفاع ساحلية، واستخدامها قواعد للزوارق والغواصات، فضلاً عن احتضانها موارد طبيعية تشمل النفط وبعض المعادن.

كما كانت جزيرة أبو موسى قد شهدت اكتشافات نفطية قبل احتلالها من ايران، ما أضاف بعداً اقتصادياً إلى أهميتها العسكرية.

وحسب المعطيات المتوافرة، فان الضربة الأمريكية تكشف أن واشنطن لم تعد تستهدف فقط القدرات العسكرية الإيرانية، بل البنية الجيوسياسية التي تعتمد عليها طهران لفرض نفوذها في الخليج، واذا ما نجحت الولايات المتحدة في تحييد الجزر التي تستخدمها إيران كنقاط سيطرة على المضيق، فإنها تكون قد نزعت من طهران أهم أوراقها الاستراتيجية، وهي القدرة على تهديد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

ولهذا، فإن ما جرى في طنب الكبرى لا يمكن قراءته كغارة جوية محدودة، بل كجزء من معركة أوسع لإعادة رسم ميزان القوة في الخليج العربي، وربما إعادة فتح أحد أقدم ملفات المنطقة، وهو الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، الذي ظل لعقود نزاعاً سياسياً، قبل أن يتحول اليوم إلى عنصر مباشر في المواجهة العسكرية الدائرة حول مضيق هرمز.

شارك المقال f 𝕏 in