القاهرة – سدن
تجد مصر نفسها من بين أكثر الاقتصادات العربية حساسية لارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، لأن الزيادة لا تقتصر على فاتورة الوقود، بل تنتقل إلى النقل والكهرباء والأسمدة والغذاء والعملة الصعبة والمالية العامة.
فالقاهرة نفذت خلال السنوات الأخيرة سلسلة إصلاحات للأسعار والدعم بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، لكنها لا تزال تحتاج إلى استيراد جزء من احتياجاتها من الطاقة والسلع الأساسية.
كما ان ارتفاع النفط إلى نحو 108 دولارات يجعل التقديرات السابقة للموازنة أقل ملاءمة إذا استمرت الأزمة عدة أشهر، كون زيادة أسعار الوقود عالمياً ترفع كلفة الشحن البحري، وهو عامل مهم لاقتصاد يعتمد على واردات القمح والمواد الخام.
وفي الوقت نفسه، يمكن لقناة السويس أن تتضرر من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر إذا فضلت شركات النقل طرقاً أطول وأكثر أمناً، وبذلك قد تواجه مصر ضغطين في آن واحد، هما زيادة فاتورة الاستيراد وانخفاض بعض إيرادات المرور البحري.
ويرى المراقبون، ان هناك جانب ايجابي يتعلق في ان القاهرة وسعت خلال السنوات الأخيرة إنتاج الغاز والطاقة المتجددة وتسعى إلى جذب استثمارات في الهيدروجين الأخضر، لكن حتى هذه المشروعات لا توفر حماية كاملة من صدمة فورية في أسعار النفط، كما أن الحكومة تحتاج إلى الحفاظ على توازن بين تمرير الارتفاعات إلى المستهلك وعدم إشعال موجة تضخم جديدة، فأي زيادة كبيرة في أسعار الوقود المحلية تنتقل بسرعة إلى أجور النقل وأسعار الخضار والسلع والخدمات.
وفي المقابل، تثبيت الأسعار لفترة طويلة يرفع كلفة الدعم ويضغط على الموازنة، ولهذا تصبح الأزمة الإقليمية الحالية اختباراً للإصلاح الاقتصادي المصري نفسه، حول مدى امكانية الاقتصاد امتصاص صدمة خارجية كبيرة من دون العودة إلى اختلالات العملة والتضخم.
وتحاول القاهرة توسيع مصادر التمويل والاستثمار عبر بريكس والخليج والصين وأوروبا، لكن مهما تنوعت العلاقات، يبقى النفط رقماً مركزياً في الحساب المصري، فالبرميل الذي يرتفع عشرة دولارات لا يبقى رقماً في شاشة الأسواق، بل يتحول إلى جنيهات إضافية في النقل والخبز والكهرباء وخدمة الدين، وهي الحلقة التي تجعل أمن الخليج جزءاً من الأمن الاقتصادي المصري.