باريس – سدن
وضع رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي ملف السلاح خارج سلطة الدولة في صدارة شروط بناء العراق الجديد، مؤكداً أن استعادة الدولة لقرار القوة ليست جزءاً من مواجهة سياسية مع أي طرف، وإنما أساس لا يمكن تجاوزه لإقامة دولة موحدة وقادرة على ممارسة سيادتها وأداء دورها الإقليمي.
وفي موقف يكتسب أهمية خاصة مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول/سبتمبر الجاري، شدد الزيدي على أن العراق لا يمكن أن يستقر أو يتحول إلى شريك دولي فاعل في ظل وجود مراكز متنافسة للقوة وصنع القرار.
وقال الزيدي، في مقال نشرته صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية بالتزامن مع زيارته إلى باريس، إن وضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة ليس مواجهة مع أي طرف، بل شرط أساس لبناء دولة موحدة لا توجد فيها مراكز متنافسة للقوة أو لصنع القرار.
وربط رئيس الحكومة بصورة مباشرة بين قدرة العراق على توسيع حضوره الاقتصادي والسياسي والإقليمي وبين ترتيب البيت الداخلي وتعزيز سلطة المؤسسات، مؤكداً أن الدولة القوية تمثل نقطة البداية لأي دور عراقي أكبر في المنطقة.
وجاءت رسالته أكثر وضوحاً في الشق المتعلق بعلاقات العراق مع محيطه، إذ أكد أن بغداد لن تسمح بأن تتحول أراضي العراق إلى قاعدة لإطلاق التهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة لتصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
ويأتي هذا الموقف في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى بغداد، بعد تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بملف السلاح والهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية، في وقت تحاول فيه حكومة الزيدي تثبيت معادلة تقوم على احتكار الدولة للقوة ومنع استخدام العراق في الصراعات الإقليمية.
وأشار الزيدي إلى أن تعزيز قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية، إلى جانب الأمن السيبراني، يمثل إحدى أولويات حكومته، لافتاً إلى أن انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول سيجعل تطوير التعاون الأمني والعسكري والدفاعي مع شركاء العراق أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة.
وتحمل هذه الإشارة تصوراً أوسع لمرحلة ما بعد التحالف، إذ تسعى بغداد إلى الانتقال من الاعتماد على إطار دولي عسكري واسع إلى علاقات دفاعية وأمنية ثنائية تقوم على احتياجات الدولة العراقية ومؤسساتها الرسمية.
وفي هذا السياق، تبرز فرنسا باعتبارها واحدة من الدول التي تريد بغداد توسيع شراكتها معها.
وقال الزيدي إن العلاقات العراقية - الفرنسية تستند إلى روابط تاريخية وشراكة استراتيجية حقيقية، تشمل الاقتصاد والطاقة والصناعة والثقافة، معتبراً أن اجتماعه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمثل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين انطلاقاً من المصالح المشتركة.
وأضاف، نريد فتح فصل جديد في العلاقات يكون فيه العراق شريكاً فاعلاً، وليس دولة تبحث عن مطالب أو مظلة سياسية.
وتكشف هذه العبارة جانباً من الرسالة التي تحاول الحكومة العراقية تقديمها في جولتها الأوروبية، حيث بغداد تريد التعامل معها بوصفها عاصمة لدولة تستعيد سيادتها وقدرتها على الحركة، لا باعتبارها ساحة للتنافس الدولي أو طرفاً يبحث باستمرار عن الحماية الخارجية.
وأكد الزيدي أن زيارته إلى فرنسا وألمانيا تأتي في مرحلة إقليمية دقيقة، تتطلب جهداً إقليمياً وأوروبياً ودولياً لاحتواء التوتر، مشيراً إلى أن العراق بات، بحسب وصفه، أقوى وأكثر استقراراً وينعم بالسيادة.
ورأى أن عراقاً أكثر استقراراً يعني شريكاً أقوى لفرنسا وأوروبا، وقادراً في الوقت نفسه على المساهمة في استقرار المنطقة وازدهارها.
كما أشار إلى أن أزمة مضيق هرمز انعكست مباشرة على قدرة العراق على تصدير النفط وعلى حركة التجارة واستقرار موارد الدولة، مؤكداً أن المصلحة الأوروبية في استقرار العراق لا تنفصل عن المصالح الاقتصادية والأمنية للقارة.
وقال إن الاستثمار في عراق مستقر وآمن وذي سيادة سينعكس إيجابياً على اقتصادات الدول الأوروبية وأمنها، موضحاً أن بغداد تعتمد سياسة الحوار والتوازن وعدم الانحياز في تعاملها مع الصراعات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، أبدى استعداد العراق للاستفادة من علاقاته وقنوات اتصاله مع أطراف إقليمية ودولية للمساهمة في خفض التوتر وفتح مسارات للحوار والتفاهم.
وفي الجانب الاقتصادي، عرض الزيدي رؤية حكومته لتحويل الموقع الجغرافي للعراق من مصدر للمخاطر والصراعات إلى عنصر قوة اقتصادية، مؤكداً أن البلاد تستطيع التحول إلى ممر رئيسي للتجارة والطاقة يربط الخليج وآسيا بتركيا وأوروبا.
وأشار خصوصاً إلى مشروع (طريق التنمية)، الذي قال إنه سيربط الخليج بأوروبا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية تمتد لأكثر من 1900 كيلومتر، بما يمنح العراق موقعاً مهماً في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
وشدد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل بالعلاقات العراقية – الأوروبية من الاتفاقات والأطر السياسية إلى التنفيذ العملي، موضحاً أن معيار نجاح الشراكات سيكون حجم الاستثمارات وفرص العمل ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات العراقية.
وبين ملفات باريس الاقتصادية ورسائل بغداد الأمنية، بقيت العبارة الأكثر ثقلاً في مقال الزيدي مرتبطة بالداخل العراقي، حيث لا يمكن بناء عراق قوي بسيادة مجزأة، ولا دولة موحدة مع مراكز متعددة للقوة والقرار، وهي معادلة تضع ملف السلاح في قلب مشروع الحكومة للمرحلة المقبلة، فالعراق الذي تريد بغداد تقديمه إلى فرنسا وألمانيا وأوروبا بوصفه شريكاً مستقراً وممراً للتجارة والطاقة ووسيطاً إقليمياً، يبدأ أولاً من تثبيت سلطة الدولة على أرضه وقرارها وسلاحها.