لندن – سدن
قد تكون واحدة من أكثر المفارقات غرابة في المدن الحديثة أن العائلة تغيرت أسرع كثيراً من البيت، فما زالت غالبية الشقق والمنازل الجديدة تبنى انطلاقاً من صورة اجتماعية قديمة تبدو راسخة في مخيلة المهندس والمطور العقاري: زوجان، طفل أو طفلان، غرفة معيشة، مطبخ، وربما حديقة صغيرة، والبيت، وفق هذه الفكرة، آلة مصممة لاستيعاب أسرة مستقرة، يبدأ أفرادها حياتهم فيه ثم يكبر الأطفال ويغادرونه ويبقى الأب والأم.
لكن المجتمع الذي كان يناسب هذا التصميم يتفكك ويعيد تركيب نفسه أمام أعيننا.
فقد كتب المعماري الإيطالي كارلو راتي في فايننشال تايمز اليوم، عن حاجة المنزل المعاصر إلى أن يصبح أكثر مرونة وقدرة على استيعاب تركيبات بشرية وغير بشرية مختلفة، مثل شخص يعيش وحده، مسن يشارك السكن، أبناء يعودون إلى بيت الوالدين، حيوانات أليفة أصبحت جزءاً من مفهوم العائلة، نباتات، أجهزة ذكية، روبوتات منزلية، وربما في المستقبل أنظمة صحية وبيئية تجعل البيت أقرب إلى كائن حي منه إلى صندوق من الإسمنت.
لكن خلف الطرح المعماري حقيقة ديموغرافية أكبر، ففي أحدث بيانات Office for National Statistics تظهر أن بريطانيا كانت تضم في 2025 نحو 29 مليون أسرة معيشية، وأن 29.5 في المئة منها تتكون من شخص واحد فقط، أي أن نحو 8.6 مليون إنسان يعيشون وحدهم، والأهم أن نصف هؤلاء تقريباً يبلغون 65 عاماً أو أكثر، وفي الجهة الأخرى من الخريطة العمرية، كان 28.7 في المئة من البريطانيين بين 20 و34 عاماً ما زالوا يعيشون مع والديهم، وترتفع النسبة بين الرجال إلى 34.9 في المئة.
وهذان الرقمان اللذان يبدوان متناقضين، يصفان المشكلة نفسها، فلدينا ملايين من كبار السن يعيشون وحدهم في مساكن قد تكون أكبر من حاجتهم، وملايين من الشباب غير القادرين أو غير الراغبين في مغادرة منزل الأسرة، وفي المنتصف سوق عقارية ما زالت تنتج، في كثير من الأحيان، نموذجاً واحداً تقريباً للسكن.
لكن المشكلة ليست بريطانية حصراً، فالتحولات الديموغرافية في أوروبا وشرق آسيا وأجزاء من العالم العربي تسير في اتجاهات مختلفة لكنها تلتقي عند نتيجة واحدة: العائلة لم تعد وحدة ثابتة يمكن للمعماري أن يفترض شكلها قبل أن يرسم البيت.
في المدن العربية مثلاً، أدى ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف الزواج إلى إطالة إقامة الشباب مع أسرهم، وفي مدن خليجية كثيرة أصبح المنزل يستوعب عاملة منزلية أو ممرضة أو أحد الوالدين المسنين، وفي دول أخرى تؤدي الهجرة إلى بيوت يعيش فيها كبار السن وحدهم بعدما انتقل الأبناء إلى الخارج، لكننا ما زلنا نتعامل مع هذه التغيرات بوصفها ظروفاً اجتماعية طارئة، لا باعتبارها مدخلاً لإعادة التفكير في العمارة.
وهنا تصبح الفكرة أكثر إثارة.. فلماذا يجب أن تكون جدران البيت ثابتة أصلاً؟
حيث يمكن لشقة مصممة بطريقة مختلفة أن تتكون في مرحلة من غرفتين مستقلتين لشابين، ثم تتحول لاحقاً إلى منزل لعائلة، ثم يعاد تقسيمها عندما يكبر أصحابها إلى مساحة معيشة ووحدة صغيرة لمقدم رعاية أو أحد الأبناء.
ويمكن للمطبخ أن يكون مساحة مشتركة أكبر بدلاً من مطابخ صغيرة مكررة، ويمكن للمجمع السكني أن يحتوي على غرفة ضيوف مشتركة يستخدمها السكان عند الحاجة بدلاً من دفع كل عائلة ثمن غرفة فارغة معظم أيام السنة.
هذه ليست أفكاراً جمالية. إنها اقتصاد.. فكل متر مربع يبنى ولا يستخدم بصورة فعلية هو مال ومواد وطاقة وأرض.
وفي المقابل، كل مساحة مشتركة مصممة جيداً تستطيع أن تقلل الكلفة وتزيد التواصل الاجتماعي، خصوصاً في المدن التي أصبحت الوحدة فيها مشكلة صحية واجتماعية بقدر ما هي حالة معيشية.
ثم دخل عنصر جديد إلى المنزل: التكنولوجيا.
قبل عشرين عاماً كان الكمبيوتر جهازاً موضوعاً على مكتب، اليوم أصبح المنزل نفسه شبكة من الأجهزة، حيث مكبرات الصوت، كاميرات، حساسات، أجهزة تنظيف آلية، أنظمة تدفئة وتبريد ذكية، ساعات وأجهزة طبية مرتبطة بالهاتف.
ومع تقدم الروبوتات المنزلية، سيصبح السؤال المعماري أكثر غرابة، هل تحتاج الشقة إلى أن تصمم لكي يتحرك فيها الإنسان فقط؟
الروبوت يحتاج ممرات ومساحات دوران وشواحن وربما أماكن تخزين، والمسن يحتاج أرضيات مختلفة ومقابض وإضاءة وحساسات سقوط، والطفل يحتاج شيئاً آخر، والحيوان الأليف يحتاج شيئاً ثالثاً.
أي أن فكرة (البيت الذكي) قد تكون قاصرة من البداية، لكن المسألة ليست أن نضع أجهزة ذكية في بيت قديم التصميم، بل أن نصمم البيت نفسه على افتراض أن سكانه ووظائفه سيتغيرون مرات عدة خلال عمر المبنى.
والتحول الأعمق يتعلق بمعنى الخصوصية.
البيت الحديث بني تاريخياً حول الفصل: غرفة نوم، غرفة أطفال، مطبخ، صالون، فالجدران تحدد الوظائف كما تحدد العلاقات.
أما الحياة الجديدة فتحتاج أحياناً إلى العكس، حيث مساحة تستطيع أن تكون خاصة صباحاً ومشتركة مساءً، مكتبا في أيام العمل وغرفة ضيوف في نهاية الأسبوع، غرفة ابن في مرحلة ومكاناً لمقدم الرعاية بعد ثلاثين سنة.
هناك أيضاً بعد اجتماعي شديد الأهمية، فارتفاع أعداد من يعيشون وحدهم لا يعني بالضرورة أنهم يريدون العزلة، كثيرون يريدون استقلالاً من دون انقطاع اجتماعي، وهنا ظهرت نماذج السكن المشترك التي تمنح الفرد غرفة أو شقة مستقلة مع مساحات للطبخ والعمل والحدائق والنشاطات الجماعية.
وقد يكون كبار السن أكثر الفئات استفادة من هذه الفكرة، فنصف البريطانيين الذين يعيشون وحدهم تقريباً فوق الخامسة والستين، بحسب بيانات 2025، وإذا استمر ارتفاع متوسط الأعمار، فلن يكون من المنطقي أن يكون الحل الوحيد أمام الإنسان في نهاية حياته الاختيار بين بيت كبير يعيش فيه وحده، ودار رعاية ينتقل إليها عندما يفقد استقلاله، حيث يمكن أن توجد عشرات المراحل بين الاثنين.
وهنا يصل النقاش إلى العالم العربي.. فنحن نميل ثقافياً إلى الاعتقاد أن الأسرة الممتدة تحمينا من مشكلات الوحدة التي تعانيها المجتمعات الغربية، لكن المدن العربية نفسها تتغير: الهجرة، تأخر الزواج، انخفاض الخصوبة في دول كثيرة، عمل النساء، ارتفاع أسعار السكن، انتقال الأبناء إلى مدن أو دول أخرى، وزيادة متوسط العمر.
المنزل العربي الكبير الذي كان يستوعب ثلاثة أجيال لم يعد ممكناً اقتصادياً في معظم المدن، والشقة الحديثة الصغيرة لم تصمم لتعويض الوظائف الاجتماعية التي فقدها ذلك المنزل.
وهذا يعني أن القضية ليست تقليد الغرب أو مقاومته.. القضية أن العمارة يجب أن تبدأ من الإنسان الموجود فعلاً، لا الإنسان الذي تتخيله كراسة المبيعات العقارية.
لهذا فان البيت المقبل لن يكون (بيت العائلة) بالمعنى التقليدي وحده، سيكون بيت الفرد أحياناً، والأصدقاء أحياناً، وثلاثة أجيال أحياناً، والحيوان والنبات والآلة أيضاً، وستكون أفضل العمارات هي التي لا تعرف مسبقاً من سيسكنها بعد ثلاثين عاماً، ولذلك تمنحه حرية أن يعيد اختراعها.
لقد تغيرت العائلة بالفعل. وما بقي متأخراً عنها حتى الآن هو الجدار.