لندن – سدن
كان اقتصاد الوظائف المؤقتة قبل عقد واحد يقدم باعتباره ثورة تحرر العامل من المدير والمكتب والدوام.
سيارة وهاتف يكفيان لتصبح سائقاً، حاسوب محمول يحولك إلى مصمم أو مترجم أو كاتب مستقل، دراجة نارية تفتح باب التوصيل، والمنصة الرقمية تجد لك الزبون وتدفع لك مقابل المهمة.
لم يكن هذا العالم مثالياً، لكنه امتلك ميزة لا ينبغي التقليل منها: سهولة الدخول.
فحين يفقد الإنسان وظيفته يستطيع أن يبدأ سريعاً في التوصيل أو القيادة أو العمل الحر، ولهذا تحولت المنصات، خصوصاً بعد الأزمات الاقتصادية، إلى شبكة أمان غير رسمية لملايين البشر.
لكن فايننشال تايمز، طرحت اليوم مفارقة قاسية: الأتمتة التي هددت الوظيفة التقليدية بدأت تصل الآن إلى شبكة الأمان نفسها.
في الجانب المكتبي، أصبحت الأدوات التوليدية قادرة على كتابة نص بسيط، تصميم شعار أولي، ترجمة مادة، تفريغ تسجيل، إعداد عرض، كتابة كود أو تنفيذ عدد كبير من المهمات التي كانت تمثل بوابة دخول المستقلين إلى السوق.
وفي الجانب المادي، تتقدم المركبات الذاتية والروبوتات نحو القيادة والتوصيل، أي أن العامل الذي قيل له قبل سنوات إن عليه أن يكون أكثر مرونة كي ينجو من الأتمتة، قد يكتشف أن المرونة نفسها أصبحت قابلة للأتمتة.
لكن الصورة تحتاج إلى قدر من الحذر.
مراجعة حديثة نشرتها International Labour Organization في حزيران 2026 للبحوث التجريبية حول الذكاء الاصطناعي التوليدي والعمل خلصت إلى أن مكاسب الإنتاجية موجودة، لكنها متفاوتة، وأن موجة الإزاحة الجماعية للوظائف التي يتنبأ بها البعض لم تظهر بعد على نطاق واسع، كما وجدت أن الوقت الذي يقول الموظفون إنهم يوفرونه باستخدام AI لم يتحول حتى الآن بصورة واضحة إلى ارتفاع مماثل في الإنتاج أو الأجور أو التوظيف، لكنها حذرت من أثر أكبر على فرص العمال الأصغر سناً وعلى عدم المساواة وتنظيم العمل.
وهنا بالضبط تكمن هشاشة اقتصاد المنصات.
الموظف التقليدي حين يستبدل قد يظهر في الإحصاءات بوصفه مسرحاً أو عاطلاً عن العمل، أما المستقل فلا يُطرد بالضرورة.. ببساطة يتوقف الهاتف عن الرنين.
تنخفض طلبات التصميم من عشرين إلى خمس، يصبح العميل الذي كان يحتاج مترجماً قادراً على تنفيذ المسودة بنفسه، ينخفض سعر المهمة لأن العرض البشري أصبح ينافس إنتاجاً آلياً شبه مجاني، ولا يوجد يوم فصل من العمل، ولا خطاب من الموارد البشرية، ولا رقم واضح يمكن أن تسجله الدولة.
هناك فقط دخل يتبخر تدريجياً.. وهذا يجعل التحول أصعب سياسياً واجتماعياً، لأن الضرر يصبح غير مرئي.
وفي أعمال القيادة، الصورة أكثر تعقيداً، فدراسة NBER منشورة في 2026 عن سائقي المنصات في الهند وإندونيسيا وكينيا وجدت أن مرونة هذه الأعمال تسمح للسائقين بالعمل ساعات طويلة وتحقيق دخل شهري صافٍ أعلى من بعض البدائل منخفضة المهارة، حتى عندما لا يكون العائد الصافي لكل ساعة أفضل، كما أن الذين غادروا المنصات في الهند وإندونيسيا فعلوا ذلك غالباً للانتقال إلى وظائف كاملة أعلى أجراً.
وهذه نقطة مهمة: العمل المؤقت ليس مجرد استغلال كما تصفه بعض القراءات، ولا حرية كما تصفه المنصات، إنه في حالات كثيرة جسر، وهنا يصبح وصول الأتمتة إليه حساساً للغاية.
إذا اختفى الجسر، أين يذهب الشخص الذي فقد وظيفته التقليدية؟
يمكن للاقتصاد أن يخلق أعمالاً جديدة بالطبع، حدث ذلك مع كل ثورة تكنولوجية تقريباً، لكن المشكلة ليست فقط في العدد النهائي للوظائف، بل في المسافة بين الوظيفة التي تختفي وتلك التي تولد.
فعامل التوصيل لا يتحول تلقائياً إلى مهندس روبوتات.
وكاتب المحتوى البسيط لا يصبح بين ليلة وضحاها خبيراً في تدريب النماذج.
إذن توجد مشكلة أخرى أكثر دقة، فكلما ارتفع الحد الأدنى للأجور أو تكلفة العامل، أصبح الاستثمار في الأتمتة أكثر جاذبية للشركة، ورقة بحثية حديثة من NBER درست التصنيع الأميركي ووجدت أن زيادة 10 في المئة في الحد الأدنى للأجور ارتبطت بزيادة احتمال تبني الروبوتات بنحو 8 في المئة مقارنة بالمتوسط، وهذا لا يعني أن خفض الأجور هو الحل، بل يكشف المعضلة.
فإذا أبقينا العمل رخيصاً نحمي وظائف سيئة الأجر، وإذا رفعنا كلفته من دون زيادة مهارة العامل، فأننا نزيد الحافز لاستبداله، والحل لذلك ليس الدفاع عن المهمة القديمة إلى الأبد، بل الاستثمار في قدرة العامل على الانتقال.
وهنا تختلف الدول..
الدولة التي تملك نظام تدريب مستمراً وتعليماً تقنياً جيداً وتأمين بطالة قابلاً للحركة تستطيع أن تجعل الأتمتة عملية انتقال، والدولة التي تترك العامل وحده أمام السوق تجعلها عملية سقوط.
وهذا مهم جداً للعالم العربي، حيث أصبح التوصيل والعمل عبر التطبيقات والعمل الحر الرقمي أبواباً رئيسية للدخل لدى الشباب.
ففي مدن عربية كثيرة، ترى عشرات الدراجات النارية أمام المطاعم، وخلف كل واحدة منها اقتصاد عائلي صغير، من إيجار، أقساط، طعام، وربما حوالة إلى أسرة في مدينة أخرى.
وحين تدخل المركبة الذاتية إلى السوق لن يكون السؤال التقني، هل تقود أفضل من الإنسان؟
السؤال الاجتماعي هو: ماذا يحدث للآلاف الذين كانت القيادة آخر وظيفة يمكنهم دخولها من دون شهادة جديدة؟
والشيء نفسه في العمل الرقمي، فقد سمحت منصات العمل الحر لشباب في مدن عربية صغيرة ببيع مهاراتهم لعملاء في الخارج، لكن المهمات الأبسط التي فتحت لهم الباب هي أيضاً أول المهمات التي يستطيع AI تنفيذها، لذلك قد نشهد انقساماً داخل اقتصاد المنصات.
في الأعلى، خبراء يستخدمون الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجهم ويبيعون حكماً بشرياً عالياً ومهارات متخصصة.
وفي الأسفل، مهام مادية شديدة الصعوبة أو الرعاية الإنسانية أو الأعمال المحلية التي ما زالت الأتمتة مكلفة فيها.
أما الطبقة الوسطى من المهمات الرقمية البسيطة والمتكررة فقد تتعرض للضغط الأكبر، وهذا يعيدنا إلى الفكرة التي بدأت منها الثورة الرقمية: (كن مستقلاً)، والاستقلال كان يعني سابقاً ألا تعتمد على شركة واحدة، لكن العامل المستقل اكتشف أنه يعتمد على شيء آخر: منصة، خوارزمية، تقييم، طلب السوق، والآن نموذج ذكاء اصطناعي يمكن أن يؤدي المهمة التي كان يبيعها.
اقتصاد الوظائف المؤقتة لن يختفي غداً، والروبوت لن يأخذ ملايين الوظائف دفعة واحدة. لكن الاتجاه أصبح واضحاً: الأتمتة لا تطرق باب المصانع والمكاتب فقط، بل تصل إلى آخر الأماكن التي كان العامل يلجأ إليها حين تغلق الأبواب الأخرى، والمشكلة المقبلة ليست اختفاء العمل وحده، بل اختفاء المكان الذي كان الإنسان يذهب إليه عندما يختفي عمله.