نايلة تويني أمام الشرع:
ذاكرة جبران تسأل عن سوريا الجديدة

نايلة تويني أمام الشرع:
ذاكرة جبران تسأل عن سوريا الجديدة

دبي - سدن

في لقاء اختلطت فيه ذاكرة شخصية مثقلة بالفقد، مع أسئلة الصحافة عن سوريا الجديدة، التقت رئيسة مجموعة (النهار) اللبنانية، الزميلة الصحافية المتميزة نايلة تويني، الرئيس السوري أحمد الشرع، على هامش قمة الإعلام العربي المنعقدة في دبي، حاملةً معها سؤالاً يتجاوز السياسة إلى جوهر المرحلة المقبلة، مفاده، أي مساحة ستكون للكلمة وحرية الإعلام في سوريا بعد عقود من القمع؟

ونشرت الزميلة تويني عبر حسابها على (إنستغرام) صورة جمعتها بالرئيس الشرع، مرفقة بنص استحضرت فيه والدها، الكاتب الصحافي والنائب اللبناني الشهيد جبران تويني، الذي اغتيل عام 2005، وما تركه رحيله في حياتها وعلاقتها بسوريا ونظامها السابق.

وقالت إن بعض اللقاءات تبدأ قبل وقت طويل من حدوثها، موضحة أنها حين وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام الرئيس السوري لم تكن صحافية تستعد لطرح سؤال فحسب، بل ابنة رجل دفع حياته ثمناً لمواقفه وصوته وقناعاته.

واختصرت تويني ثقل اللحظة بعبارة "في تلك اللحظة، وقف الحاضر أمام ماضيّ"، مشيرة إلى أنها أخبرت الشرع بأنها كانت – بطريقتها - إحدى ضحايا النظام السوري السابق، ليس لأنها تعرضت شخصياً للاستهداف، وإنما لأن ذلك النظام أخذ والدها وغير حياتها إلى الأبد.

وبالنسبة إليها، حمل سقوط النظام السابق معنى شديد الخصوصية، وقالت إنها لم تكن تتوقع أن تعيش لترى تلك اللحظة، معتبرة أن ما حدث أعاد إليها إيماناً عميقاً بعدالة السماء.

لكن اللقاء، كما قدمته الزميلة تويني، لم يكن مناسبة لتصفية حساب مع الماضي بقدر ما كان محاولة للنظر إلى ما بعده، فالصورة وفق تعبيرها، لا تمحو شيئاً مما جرى، وإنما تسجل لحظة تقف فيها ابنة أمام فصل جديد من تاريخ بلد ارتبط نظامه السابق بأقسى خسارات حياتها، لتسأل إن كان المستقبل قادراً على أن يكون مختلفاً.

وخلال اللقاء، وضعت تويني أمام الشرع قضية حرية الإعلام والتعبير، متسائلة عن مستقبل الصحافيين والكتّاب والمواطنين السوريين، وما إذا كانت المرحلة الجديدة ستتيح لهم الكلام وطرح الأسئلة وإبداء الاختلاف من دون خوف.

وبحسب روايتها، أقر الرئيس الشرع بأن السوريين أنفسهم كانوا ضحايا عقود طويلة من الألم والقمع والخسارات، وتحدث عن سوريا تسعى إلى إعادة بناء نفسها وإبقاء أبوابها مفتوحة.

وتوقفت تويني عند هذه النقطة تحديداً، معتبرة أن الكلمات تستطيع فتح الأبواب، لكنها أضافت خلاصة أكثر دلالة على نظرتها إلى المرحلة المقبلة، معتبرة ان الأفعال هي التي تستطيع إبقاء تلك الأبواب مفتوحة.

واستعادت رئيسة (النهار) في هذا السياق تاريخ الصحيفة مع سوريا، مذكرة بأنه حتى خلال السنوات التي مُنعت فيها (النهار) من الدخول إلى البلاد، بقيت صفحاتها مفتوحة أمام المفكرين والكتّاب والصحافيين السوريين، انطلاقاً من قناعة بأن الدفاع عن الحرية يصبح أكثر ضرورة حين تصبح الحرية نفسها مهددة.

ولذلك بدا سؤال تويني للشرع امتداداً لتاريخ شخصي ومهني في آن واحد، تاريخ ابنة لم تنسَ والدها، وصحافية تعرف أن اختبار التحولات السياسية الكبرى لا يكون في الخطابات وحدها، وإنما في المساحة التي تمنحها السلطة للكلمة المخالفة والسؤال الصعب والصحافة التي لا تخشى الاقتراب من المحظور.

وأكدت تويني أنها واجهت تاريخها لا لكي تبقى أسيرته، وإنما لتتطلع إلى الأمام بذاكرة لا تنسى ومسؤولية لا تتراجع.

فالصفحات الجديدة، في رؤيتها، لا تُكتب بمحو الصفحات القديمة، ولا تصبح المصالحة مع المستقبل مرادفاً للنسيان.. إنها تُكتب بالتعلم من الماضي، وبإبقاء الأبواب مفتوحة أمام الحقيقة والمحاسبة والحرية، وأمام الأصوات التي أُجبرت طويلاً على الصمت.

وبين ذاكرة جبران تويني وصورة ابنته إلى جانب رئيس سوريا الجديدة، اختُصرت سنوات ثقيلة من العلاقة بين الصحافة والسلطة والخوف والفقد، أما ما سيمنح تلك الصورة معناها الحقيقي، فلن يكون اللقاء نفسه، بل ما ستكتبه السنوات المقبلة من أفعال.