واشنطن – سدن
حين تُرسم خريطة الشرق الأوسط، تبدو الدول هي الوحدات الكبرى التي تحدد ميزان القوة، كالسعودية، مصر، إيران، تركيا، إسرائيل، لكن الجغرافيا لا تعترف دائماً بحجم الدول، أحياناً تستطيع قطعة ماء لا يزيد عرضها في أضيق مناطقها على عشرات الكيلومترات أن تصبح أثقل سياسياً من بلد كامل، وهذا بالضبط ما يحدث عند باب المندب.
فالتطورات الأخيرة في اليمن، مع تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على المدخل الجنوبي للمضيق، نقلت الحرب اليمنية من صراع داخلي وإقليمي طويل إلى مستوى استراتيجي أكثر خطورة، ولم تعد المسألة تتعلق فقط بمن يحكم صنعاء أو أين ترسم خطوط السيطرة داخل اليمن، بل بمن يستطيع التأثير في أحد أهم طرق الملاحة بين آسيا وأوروبا.
صحيفة (واشنطن بوست) وصفت التطور اليوم، بأنه ربما يكون أحد أكبر المكاسب الاستراتيجية التي حققتها إيران عبر حلفائها، لأن الحوثيين باتوا قادرين على ممارسة ضغط عند (بوابة الدموع) التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وفي اليوم نفسه شدد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال محادثاتهما على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، في إشارة واضحة إلى أن الرياض والقاهرة لم تعودا تنظران إلى التطور اليمني باعتباره شأناً يمنياً فحسب، والسبب واضح، فمن يسيطر على باب المندب لا يسيطر على البحر الأحمر كله، لكنه يستطيع جعل استخدامه أكثر كلفة وخطورة.
فالسفن القادمة من آسيا في طريقها إلى قناة السويس تمر من هنا، وناقلات النفط تمر من هنا، والتجارة بين أوروبا والمحيط الهندي تمر من هنا، وإذا أصبح العبور محفوفاً بالصواريخ والطائرات المسيرة أو التهديدات، فهناك طريق بديل واحد عملياً، هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهذا يعني وقتاً أطول ووقوداً أكثر وسفناً تحتاج إلى أسابيع إضافية لإتمام الدورة نفسها.
ومصر تعرف معنى ذلك جيداً، فقناة السويس ليست مجرد ممر عالمي بالنسبة للقاهرة، بل مصدر عملة صعبة وأصل استراتيجي، وكل سفينة تختار طريق جنوب أفريقيا بدلاً من البحر الأحمر هي خسارة مباشرة للقناة.
والسعودية تواجه مشكلة مختلفة، فحين أصبح المرور عبر هرمز أكثر خطراً بسبب المواجهة مع إيران، اكتسب خط أنابيب شرق - غرب وموانئ البحر الأحمر أهمية استثنائية بوصفها طريقاً بديلاً للصادرات السعودية، لكن التهديد الحوثي لباب المندب يعني أن البديل نفسه يمكن أن يصبح تحت الضغط.
من جهتها، وصفت صحيفة (فايننشال تايمز)، الوضع بعبارة شديدة الدلالة، حيث قالت "صمام الأمان السعودي يُغلق"، أي أن الرياض تواجه ضغطاً عند جهتين من خريطة الطاقة، حيث هرمز شرقاً، والبحر الأحمر غرباً، ثم جاءت الهجمات على بنية الطاقة السعودية لتضيف بعداً ثالثاً.
كذلك أفادت وكالة (رويترز) اليوم، بأن الأسواق الخليجية تعرضت لضغوط مع تصاعد الهجمات الحوثية وتعطل بعض مسارات الطاقة، فيما أعلنت السلطات السعودية لاحقاً زوال الخطر المباشر عن ست مدن بينها ينبع، الميناء النفطي الحيوي على البحر الأحمر، لكن الإعلان عن انتهاء الإنذار في مدينة لا ينهي المشكلة الاستراتيجية.
المعضلة أن الحوثيين أثبتوا خلال سنوات أنهم لا يحتاجون إلى السيطرة العسكرية الكاملة على الممر كي يؤثروا فيه، يكفي أن تكون لديهم قدرة موثوقة على تهديد السفن.
وفي الاقتصاد البحري، فان للاحتمال سعر، فشركات التأمين لا تنتظر إصابة السفينة حتى ترفع القسط، وشركات النقل لا تنتظر إغلاق المضيق رسمياً حتى تغير المسار، وهذا يعني أن جماعة مسلحة تستطيع الحصول على تأثير استراتيجي أكبر كثيراً من حجم اقتصادها أو جيشها التقليدي.
وهنا تظهر إيران.. طهران تنفي عادة التحكم العملياتي المباشر في قرارات الحوثيين وتصفهم بحركة يمنية مستقلة، بينما الحركة هي جزء من شبكة حلفاء إيران الإقليميين، وتتولى طهران تقديم الدعم العسكري والتقني لها، باعتبارها قوة تابعة لها، ومعادية لخصومها على باب المندب، تماماً كما المليشيات الشيعية في العراق وحزب الله اللبناني، في سياسة ايرانية أثبتت فعاليتها في المنطقة، بحيث ان النفوذ لا يحتاج إلى احتلال الأرض مباشرة، ويكفي دعم فاعل محلي ومده بالصواريخ والمسيرات والتنظيم والقدرة، لتعطيل خصومها.
والسؤال العسكري بنظر الـ(واشنطن بوست)، هو ما إذا كان يمكن طرد الحوثيين من الساحل أو ردعهم، لكن التجربة اليمنية الطويلة تقول إن القوة الجوية وحدها نادراً ما تحسم صراعاً من هذا النوع، فالجماعة راكمت خبرة قتالية وشبكات تحت الأرض وقدرة على إنتاج واستخدام المسيرات والصواريخ، كما بنت جهازاً سياسياً وأمنياً داخل مناطق سيطرتها، وإخراجها من موقع استراتيجي يحتاج إلى قوة برية يمنية قادرة على الإمساك بالأرض بعد الضربات، وهذه هي الحلقة التي تعثرت مراراً في الحرب.
ثم توجد مشكلة أكبر، فحتى لو تغير خط السيطرة، تبقى الصواريخ التي يمكن إطلاق السلاح من مسافة بعيدة نسبياً عن المضيق، لذلك لا يكفي رسم خط جديد على الخريطة، والمطلوب تقليص قدرة الحركة على التهديد البحري، وهو هدف أصعب كثيراً، كما ان الحل الدبلوماسي ليس بسيطاً بدوره، فالحوثيون يربطون جزءاً من عملياتهم الإقليمية بالحرب الفلسطينية وبالصراع الأوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية، وبالتالي فإن التهدئة اليمنية أصبحت مرتبطة بملفات تتجاوز اليمن، وهذا أخطر ما في المرحلة الحالية.
الواشنطن بوست، ترى انه كان من الممكن سابقاً تصور صفقة يمنية، تتضمن رواتب، وتقاسم سلطة، ووقف إطلاق نار، وترتيبات حدودية، أما حين يصبح باب المندب جزءاً من شبكة صراع تمتد من إيران إلى فلسطين والخليج، فالتسوية المحلية أصبحت رهينة ميزان إقليمي، وهذا بالضبط ما يجعل السيطرة الحوثية على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أكبر من انتصار ميداني، فالجماعة أصبحت تملك قدرة على التأثير في أسعار النفط والتأمين وقناة السويس وحسابات الأمن السعودي وسياسات القوى الكبرى.
لقد منحت الجغرافيا الحوثيين ورقة لم تكن أي حكومة يمنية قادرة على استثمارها بهذه القوة منذ عقود، والنتيجة أن باب المندب لم يعد مجرد ممر تمر فيه السفن، لقد أصبح جزءاً من ميزان الردع في الشرق الأوسط، ومن يملك القدرة على تعطيله يملك مقعداً أكبر بكثير من حجمه على طاولة الإقليم.