لندن – سدن
نجحت الهند في جمع قادة إحدى عشرة دولة تحت سقف واحد في نيودلهي، وهذا في حد ذاته إنجاز، فمنظمة تضم الصين والهند وروسيا وإيران والسعودية والإمارات والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها لا يفترض أن يكون إنتاج توافق داخلها سهلاً، لكن قمة بريكس الأخيرة كشفت مفارقة أعمق، فكلما اتسعت المنظمة، ازدادت قدرتها على تمثيل (الجنوب العالمي)، وفي الوقت نفسه ازدادت فرصة الصين لأن تصبح القوة الأثقل داخلها.
وكالة (رويترز) طرحت المسألة مباشرة بعد قمة 12 و13 أيلول، قائلة هل خرجت الصين من قمة نيودلهي بمكاسب أكبر حتى وهي ضيفة على الهند؟
والسبب ليس سياسياً فقط، إنه حساب أحجام، فالصين أكبر اقتصاد داخل المجموعة بفارق كبير، وأكبر شريك تجاري لعدد كبير من أعضائها، وتملك قدرة صناعية ومالية وتقنية لا يملكها الآخرون، فحين تناقش بريكس نظام مدفوعات جديداً، الصين لديها بنية تحتية مالية تستطيع عرضها، وحين تناقش الذكاء الاصطناعي، الصين لديها شركات ونماذج ومراكز بيانات، وحين تناقش التجارة، المصانع الصينية موجودة بالفعل، وهذا يجعل التعاون قابلاً للتحول بسهولة إلى اعتماد.
والهند تدرك ذلك جيداً، ولهذا فإن نيودلهي تريد بريكس قوية، لكن ليس بريكس صينية، وتريد إصلاح النظام الدولي، لكن لا تريد استبدال الهيمنة الغربية بهيمنة بكين، وتريد استخدام العملات المحلية، لكنها لا تريد أن يصبح اليوان العملة الفعلية للمجموعة، ووتريد تعاوناً تكنولوجياً، لكنها لا تريد أن تصبح البنية الرقمية الصينية معياراً إلزامياً.
وهذه هي العقدة المركزية في مستقبل بريكس، فالمنظمة تأسست أساساً كفكرة اقتصادية أكثر منها تحالفاً سياسياً، ثم أصبحت منصة للقوى الناشئة التي تريد صوتاً أكبر في المؤسسات الدولية، ومع التوسع، دخلت دول ذات علاقات متباينة جداً مع الولايات المتحدة، فإيران وروسيا تنظران إلى المجموعة جزئياً بوصفها أداة لمقاومة الضغط والعقوبات الغربية، والهند والإمارات ودول أخرى تريد علاقة قوية مع الغرب وفي الوقت نفسه شراكة مع بريكس، وهذه ليست فروقاً صغيرة، بل هي رؤيتان مختلفتان لوظيفة المنظمة.
قمة نيودلهي ناقشت زيادة التجارة بالعملات المحلية وربط أنظمة المدفوعات الرقمية، لكن (رويترز) أشارت إلى أن الهند لا تزال متحفظة تجاه منصة mBridge المرتبطة بالصين وتدفع نحو بدائل أكثر تعددية، وهذه التفاصيل التقنية هي في الحقيقة سياسة قوة، فمن يملك شبكة الدفع يملك بيانات وتأثيراً ومعايير، تماماً كما من يملك نظام SWIFT أو بنية الدولار يملك نفوذاً لا يظهر في البيانات التجارية وحدها.
ولهذا فإن نزع (الدولرة) أسهل كشعار من تطبيقه، والدول تستطيع زيادة التجارة بالعملات المحلية، لكن الدولار ليس مهيمناً فقط لأن واشنطن تريده كذلك، فهناك أسواق مالية عميقة وسيولة ومؤسسات وثقة وشبكة عالمية تراكمت لعقود، وإنشاء بديل يحتاج إلى أكثر من قرار قمة.
ثم هناك الصين والهند نفسيهما، فلقاء الرئيسان مودي وشي جينبينغ على هامش القمة كان الأول لشي في الهند منذ سبع سنوات، وجاء بعد سنوات من التوتر منذ اشتباكات الحدود عام 2020.
وكالة (الاسوشتيد برس)، أفادت بأن الرجلين تعهدا بالعمل على حل الخلافات الحدودية وتعزيز العلاقات الاقتصادية، مع تأكيد مودي ضرورة الحفاظ على السلام واحترام المصالح المتبادلة، لكن المصافحة لا تلغي الجغرافيا، فالصين والهند تتنافسان على النفوذ في آسيا، وهناك حدود متنازع عليها، كما ان الهند قلقة من علاقة الصين بباكستان، وبكين تراقب تعاون نيودلهي مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن الرباعية، والبلدان يريدان قيادة الجنوب العالمي، وهكذا يجلس المنافس الأكبر للصين داخل المنظمة نفسها التي تريد الصين توسيع نفوذها من خلالها، في نقطة قوة لبريكس ونقطة ضعف في الوقت نفسه.
لكن ربما يكون الحكم على بريكس بمعيار الاتحاد الأوروبي أو الناتو خطأ من الأساس، فالمنظمة لا تحتاج إلى أن تصبح تحالفاً موحداً كي تكون مؤثرة، يكفي أن تصبح مكاناً تستطيع الدول من خلاله التفاوض خارج المؤسسات الغربية.
صحيفة فايننشال تايمز، اشارت قبيل القمة إلى أن المجموعة باتت تمثل قرابة نصف سكان العالم ونحو 40 في المئة من الاقتصاد العالمي وفق بعض مقاييس القوة الشرائية، رغم استمرار الانقسامات الداخلية، وهذه الأرقام تعطي بريكس وزناً لا يمكن تجاهله، لكنها تخفي تفاوتاً ضخماً بين الأعضاء، فاقتصاد الصين وحده أكبر من اقتصادات عدة أعضاء مجتمعين، وهذا يجعل الخوف من (صيننة) بريكس منطقياً.
وبالنسبة للدول العربية الأعضاء، فالمسألة مهمة، فالإمارات والسعودية ومصر لا تحتاج إلى الاختيار بين واشنطن وبكين كي تستفيد من بريكس، بل قد تكون قيمة المنظمة تحديداً أنها تمنحها مساحة إضافية للمناورة، فيها علاقات أمنية مع الغرب، وتجارة مع الصين، وطاقة مع آسيا، واستثمار متبادل، ومنصات مالية جديدة، وهذا هو معنى التعددية بالنسبة لدولة متوسطة القوة، بحيث لا تعتمد على باب واحد، لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب ألا يتحول الباب البديل إلى باب وحيد جديد.
ولهذا ستكون الهند عاملاً أساسياً في توازن المنظمة، فوجود اقتصاد هندي ضخم ومستقل سياسياً يمنع الصين من تحويل بريكس بسهولة إلى مجال نفوذ أحادي، والبرازيليون بدورهم لا يريدون ذلك، وكذلك الدول العربية، وبالتالي فان بريكس إذن ليست معسكراً بالمعنى التقليدي، إنها سوق سياسية تتفاوض داخلها القوى على شكل عالم أقل تركيزاً، فالصين تدخل هذه السوق بأكبر محفظة، والهند تدخل بأكبر رغبة في منع صاحب المحفظة من شراء السوق كلها، وكل عضو آخر يحاول الحصول على أكبر فائدة من المنافسة بين الاثنين.
لهذا قد يكون أهم ما حدث في نيودلهي ليس البيان الذي صدر، بل الصورة التي تشكلت، حيث شي جينبينغ يعود إلى الهند، ومودي يستقبله، والدول تتحدث عن عالم متعدد الأقطاب بينما تتنافس داخل المنصة نفسها على من سيكون قطبه الأكبر.
ان بريكس ستستمر في النمو على الأرجح لأن هناك طلباً دولياً حقيقياً على مساحة لا يحتكرها الغرب، لكن نجاحها سيقاس بقدرتها على أن تكون متعددة الأقطاب في داخلها أيضاً، فإذا أصبحت المنظمة مجرد طريق آخر يؤدي إلى بكين، فسوف تفقد تحديداً الفكرة التي جعلتها جذابة، في أن العالم لا ينبغي أن يؤدي إلى عاصمة واحدة.