تفكيك

أوكيناوا تغير الحاكم..
فهل تتغير آخر جبهة من الحرب العالمية الثانية؟

لندن - سدن
16 سبتمبر 2026
أوكيناوا تغير الحاكم..
فهل تتغير آخر جبهة من الحرب العالمية الثانية؟

لندن – سدن

مر أكثر من ثمانين عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنك إذا أردت العثور على مكان ما زالت فيه آثار تلك الحرب جزءاً من السياسة اليومية، اذهب إلى أوكيناوا.

فالجزر اليابانية الجنوبية تستضيف قسماً كبيراً من الوجود العسكري الأميركي في اليابان، وظلت لعقود تعيش التناقض نفسه، فأهميتها الاستراتيجية تجعل طوكيو وواشنطن تريدان القواعد، بينما يشعر كثير من السكان أن منطقتهم تحمل عبئاً أمنياً أكبر من بقية البلاد.

في 13 أيلول حدث تحول سياسي كبير.

فاز غينتا كوجا، المرشح المدعوم من الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم، بمنصب حاكم أوكيناوا على حساب الحاكم ديني تاماكي الذي كان من أبرز معارضي نقل قاعدة فوتينما الأميركية إلى هينوكو داخل المحافظة.

وقد حصل كوجا على نحو 59 في المئة من الأصوات، منهياً اثني عشر عاماً من حكم محافظين يعارضون خطة القاعدة.

للوهلة الأولى يمكن قراءة النتيجة باعتبارها انتصاراً لمعسكر القواعد الأميركية، لكن الصحافة اليابانية قدمت صورة أكثر تعقيداً.

صحيفة (يابان تايمز)، أشارت إلى أن الاقتصاد وارتفاع الأسعار كانا أكثر حضوراً في قرار الناخبين من ملف القواعد نفسه، وهذا فرق مهم، فالناخب قد يصوت لمرشح يقبل نقل القاعدة لأنه يريد سياسة اقتصادية مختلفة، لا لأنه غير رأيه في الوجود العسكري الأميركي.

وهنا يجب الحذر من تحويل نتيجة انتخابية إلى استفتاء استراتيجي، لكن النتيجة ستترك آثاراً استراتيجية بغض النظر عن دوافع الناخب، وكوجا يقبل نقل قاعدة فوتينما من منطقة غينوان المكتظة إلى هينوكو، بينما كان تاماكي يستخدم سلطات المحافظة والقضاء والضغط السياسي لمحاولة تعطيل المشروع.

الحكومة المركزية أعلنت بعد الانتخابات أنها ستواصل التنفيذ، وهذا يمنح طوكيو مساحة أكبر في لحظة مختلفة تماماً عن العقد الماضي.

كما ان اليابان تنفذ أكبر توسع لقدراتها العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، والسبب الرئيسي هو الصين، وبالتالي فان أوكيناوا ليست مجرد جزيرة سياحية في جنوب اليابان، إنها جزء من (سلسلة الجزر الأولى) التي تمتد من اليابان نحو تايوان والفلبين وتشكل حاجزاً جغرافياً أمام الوصول الصيني المباشر إلى غرب المحيط الهادئ.

وتبعد جزيرة يوناغوني اليابانية نحو 110 كيلومترات فقط عن تايوان، أي أن أي أزمة عسكرية حول تايوان ستضع الجزر اليابانية الجنوبية في قلب الحسابات منذ اللحظة الأولى، لهذا تنشر طوكيو وحدات صاروخية وحرباً إلكترونية، وتوسع مخازن الذخيرة والبنية العسكرية في المنطقة.

فمن المنظور العسكري الياباني، إذا ما اندلعت أزمة، فسوف تحتاج اليابان والولايات المتحدة إلى مطارات وموانئ وقواعد موزعة بدلاً من منشآت قليلة يسهل استهدافها.

لكن ما يبدو منطقياً على الخريطة الاستراتيجية يبدو مختلفاً لمن يعيش قرب القاعدة، فالضوضاء، والحوادث، والجرائم التي ارتكبها بعض العسكريين عبر العقود، هو الوجه الآخر للتحالف الأميركي الياباني.

صحيفة Mainichi ذكرت في افتتاحية قبل أيام رقماً حكومياً بلغ 1,101 وفاة مرتبطة بحوادث تسببت بها القوات الأميركية في اليابان عبر الفترة التي تناولتها البيانات، في سياق نقدها للأعباء التاريخية التي تحملتها أوكيناوا.

كما أن حادثة اغتصاب طفلة في الثانية عشرة عام 1995 على يد عسكريين أميركيين كانت من الأحداث التي فجرت احتجاجات ضخمة وأدت في النهاية إلى الاتفاق على إعادة قاعدة فوتينما، مع نقل وظائفها إلى هينوكو.

لكن النقل استغرق ثلاثة عقود وما زال مثيراً للجدل، والمشكلة أن سكاناً كثيرين يقولون، لماذا تنقلون القاعدة من جزء من أوكيناوا إلى جزء آخر بدلاً من إخراجها من المحافظة؟ وتجيب طوكيو وواشنطن بأن البدائل العسكرية والجغرافية محدودة.

لكن التهديد الصيني غير المزاج السياسي جزئياً، فكلما زادت الأنشطة العسكرية الصينية قرب تايوان وبحر الصين الشرقي، أصبحت حجة (لا نحتاج هذه القواعد) أصعب، وفي المقابل، كلما زادت القواعد أصبحت أوكيناوا هدفاً أكثر أهمية في أي حرب.

فالأمن يزيد الخطر ويقلله في الوقت نفسه، فوجود القوة الأميركية قد يمنع الصين من التفكير في توسيع نزاع، لكن إذا وقع النزاع، يجعل الجزيرة هدفاً مبكراً، والناخب الأوكيناوي يعيش هذه المفارقة في منزله، وهنا تأتي أهمية فوز كوجا.

الحكومة المركزية ستعتبر النتيجة فرصة لإعادة العلاقة مع المحافظة بعد سنوات من المواجهة، لكن الخطأ سيكون التعامل معها كتفويض مفتوح للعسكرة.

حتى استطلاعات الرأي حول هينوكو لا تظهر إجماعاً ساحقاً، وتوجد مؤشرات على أن الأولويات الاقتصادية هي التي رجحت الانتخابات أكثر من انقلاب شامل في الموقف من القواعد.

لذلك سيكون نجاح كوجا مرتبطاً بقدرته على إثبات أن التعاون مع طوكيو يجلب شيئاً ملموساً للسكان، كالوظائف، والبنية التحتية، والاستثمارات، وتخفيف أعباء القواعد، وجدول واضح لإعادة الأراضي.

لقد انتهت انتخابات أوكيناوا.. أما الصراع الحقيقي حول وظيفة الجزيرة في مواجهة الصين ومستقبل التحالف الأميركي الياباني، فقد دخل مرحلة جديدة فقط.

شارك المقال f 𝕏 in