لندن – سدن
دخلت في 15 أيلول قواعد صينية جديدة حيز التنفيذ توسع قدرة الدولة على منع بعض المواطنين من مغادرة البلاد عندما تعتبر أن سفرهم يمكن أن يهدد الأمن التكنولوجي أو الصناعي.
(رويترز) أوضحت أن القيود يمكن أن تشمل حظر خروج يتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات في حالات محددة، إضافة إلى قيود على دخول أجانب ثبت تقديمهم معلومات كاذبة في طلبات التأشيرة، وتقول بكين إن الإجراءات تستهدف مخالفات لقواعد نقل التكنولوجيا وضوابط التصدير وحماية الأمن الوطني.
(فايننشال تايمز)، قرأت التحول ضمن حملة أوسع لتشديد الرقابة على سفر موظفي الدولة والكوادر والأشخاص العاملين في قطاعات حساسة، ورأت أن الغموض في بعض التعريفات قد يوسع الأثر إلى ما يتجاوز الحالات الأمنية الصريحة.
لكن القضية تتجاوز السفر، إنها تكشف كيف تغير تعريف الأصل الاستراتيجي، ففي القرن العشرين كان الأصل مصنعاً أو منجماً أو وثيقة سرية، اليوم يمكن أن يكون إنساناً، كمهندس يعرف عملية تصنيع شريحة، أو باحث يعرف خوارزمية، أو خبير بطاريات يعرف أسرار الإنتاج، أو مدير سلسلة توريد يعرف الموردين والأسعار والاختناقات، وهذه المعرفة لا يمكن مصادرتها عند المطار لأنها موجودة في الرأس، وهنا تظهر المعضلة التي تواجهها الصين وغيرها، في كيفية حماية الدولة المعرفة الحساسة من الانتقال إلى المنافس من دون أن تحول صاحب المعرفة إلى شخص محدود الحركة
الصين هنا اختارت توسيع الأداة القانونية، ومن منظور بكين، فالمبرر مفهوم، لكون الولايات المتحدة تفرض قيوداً واسعة على تصدير الرقائق ومعدات تصنيعها إلى الصين، والدول الغربية تدقق في الاستثمارات الصينية، وهناك منافسة على العلماء والمهندسين، وفي مثل هذه البيئة، تصبح حماية التكنولوجيا جزءاً من الأمن القومي.
لكن الأداة تحمل تكلفة، فالمهندس الذي يعرف أن سفره قد يخضع لمنع قد يتردد قبل العمل أصلاً في مؤسسة مصنفة حساسة، والشركة الأجنبية قد تتردد في إرسال موظف إلى الصين إذا خشيت من منعه من المغادرة في نزاع، أي أن الأداة التي تحمي المعرفة تستطيع أن تقلل تدفق المعرفة والاستثمار أيضاً.
وهذه معضلة الأنظمة المغلقة جزئياً، لكون السيطرة تمنح الدولة قدرة، لكن الانفتاح هو الذي يجلب جزءاً من الابتكار.
فالصين الحديثة تطورت تكنولوجياً لأنها لم تكن مغلقة مثل الصين الماوية، فقد أرسلت طلاباً إلى الخارج، وجذبت شركات، وشاركت في التجارة العالمية، وتعلمت من سلاسل الإنتاج، ثم بنت قدراتها الخاصة، فإذا توسعت القيود كثيراً، يمكن أن تضعف بعض الآليات التي ساعدتها على النجاح.
وفي المقابل، من غير المنصف تصوير الصين كالدولة الوحيدة التي (تؤمن) التكنولوجيا، فالولايات المتحدة تستخدم قوائم تصدير وعقوبات وقيوداً على الاستثمار، وكوريا الجنوبية تشدد حماية أسرار أشباه الموصلات، والاتحاد الأوروبي يناقش الأمن الاقتصادي، واليابان توسع فحص التكنولوجيا الحساسة، أي ان العالم كله يتحرك في الاتجاه نفسه بدرجات مختلفة، والفرق هو الأدوات.
الديمقراطيات الغربية تميل أكثر إلى تقييد التكنولوجيا والشركات والعقود، والصين تملك استعداداً أكبر لتقييد حركة الفرد نفسه، وهذا يعكس اختلافاً في العلاقة بين الدولة والمواطن.
وتقول بكين إن الأمن الوطني يسبق في بعض الحالات حرية الحركة، والمنتقدون يقولون إن التعريفات الواسعة تمنح السلطات قدرة تقديرية يصعب على الفرد توقعها.
تايوان من جهتها، عبّرت عن قلق خاص لأن بعض المتخصصين التايوانيين العاملين في البر الرئيسي قد يجدون أنفسهم خاضعين لهذه القواعد، بينما تقول بكين إن النظام يوفر أساساً قانونياً أوضح وضمانات أفضل، وهذه نقطة حساسة للغاية، فتايوان والصين مرتبطتان اقتصادياً، خصوصاً في التكنولوجيا، لكنهما خصمان سياسياً.
العالم يتغير.. والحدود بين الاقتصاد والأمن تختفي، فشركة الرقائق تصبح جزءاً من السياسة الخارجية، والمهندس يصبح قضية أمن، والجامعة تصبح جزءاً من المنافسة، حتى السفر يتحول إلى ملف استراتيجي، والنتيجة قد تكون توطيناً متزايداً للمعرفة.
والدول ستطلب من العلماء والمهندسين البقاء داخل منظوماتها، والشركات ستقسم فرقها بحسب المناطق، والبحث المشترك سيصبح أكثر صعوبة في بعض القطاعات، وهذا يحمل خطراً على العلم نفسه، فالابتكار الحديث دولي بطبيعته، بحيث ورقة علمية قد يكتبها باحثون من خمس دول، ومختبر يضم جنسيات متعددة، وشركة تستورد المعدات من دولة والمواد من أخرى والمهندس من ثالثة، وإذا أصبحت كل معرفة حساسة وطنياً، تتراجع هذه الشبكة.
وهذا النقاش لن ينتهي قريباً.. لكن الصين أخذته خطوة إضافية، فليس المنتج وحده الذي قد يخضع لضوابط التصدير، بل الشخص الذي يحمل المعرفة.