تفكيك

أوروبا وإسرائيل..
الخلاف انتقل من البيانات إلى العقوبات

لندن - سدن
16 سبتمبر 2026
أوروبا وإسرائيل..
الخلاف انتقل من البيانات إلى العقوبات

لندن - سدن

طوال عقود، كانت الخلافات بين إسرائيل وأبرز حلفائها الأوروبيين تسير وفق طقس دبلوماسي مألوف، فتوسع استيطاني يقابله بيان أوروبي ينتقد، يليه رد إسرائيلي غاضب.. ثم تستمر العلاقات.

لكن ما حدث في الأسابيع الأخيرة يشير إلى انتقال الخلاف إلى مرحلة مختلفة، حيث بدأت الدول تستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية فعلية.

بريطانيا وفرنسا وكندا، أعلنت حظراً على استيراد منتجات من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ضمن حزمة أوسع من الإجراءات، فردت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ومنع شخصيات بريطانية من دخول البلاد.

صحيفة (لوموند) الفرنسية وصفت الخطوة بأنها جزء من تعمق العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، بعد تحركات من مجموعة دول غربية تجاه المستوطنات والسياسة في الضفة.

لكن من المهم ضبط المصطلحات، فإسرائيل ليست (معزولة) دولياً بالمعنى الكامل، فالولايات المتحدة ما زالت حليفها الأهم، وعلاقاتها مع دول كثيرة مستمرة، وتعاونها الاقتصادي والعسكري واسع، وما تغير هو أن دولاً كانت تكتفي بالاعتراض اللفظي بدأت ترى أن البيان وحده لم يعد كافياً.. وهذا فرق سياسي كبير.

الحكومة الإسرائيلية ترى الإجراءات الأوروبية منحازة وتقول إنها تشجع خصوم إسرائيل وتتدخل في شؤونها السياسية، خصوصاً في توقيت انتخابي.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اتهم بريطانيا بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية، ووصف اتهامات بريطانية بشأن التطورات في الضفة بأنها كاذبة.

أما لندن وباريس وأوتاوا فتقول إن المستوطنات تخالف القانون الدولي وإن توسعها يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية.

وهذه -وفق لوموند- ليست مجرد وجهتي نظر سياسيتين متساويتين من ناحية القانون الدولي، فمعظم المجتمع الدولي والمحكمة الدولية يعتبران المستوطنات في الأراضي المحتلة غير قانونية، بينما ترفض إسرائيل أجزاء أساسية من هذا التوصيف وتقدم حججاً قانونية وتاريخية مختلفة، لكن الجديد هو محاولة ترجمة الموقف القانوني إلى سلوك اقتصادي، وهنا يصبح حظر منتجات المستوطنات مهماً رغم أن قيمته التجارية محدودة نسبياً.

فالعقوبة ليست مصممة أساساً لإيذاء الاقتصاد الإسرائيلي كله، وانما مصممة لرسم خط قانوني بين إسرائيل داخل حدود ما قبل 1967 والمستوطنات في الأراضي المحتلة، أي أنها عقوبة (تمييزية) بالمعنى الجغرافي، لا مقاطعة شاملة لإسرائيل.

وهذا مهم لأن الحكومات الأوروبية تريد الضغط من دون قطع العلاقة، لكن إسرائيل ترى الخط نفسه بطريقة مختلفة.

فمن وجهة نظر الحكومة الحالية، استهداف المستوطنات وحدها لا يجعل الإجراء مقبولاً، بل يضفي شرعية على مطالب تعتبرها تهديداً لمصالح إسرائيل الأمنية والوطنية.

وهكذا تصبح التجارة امتداداً للصراع على تعريف الأرض.

لكن هناك أيضاً بعد داخلي أوروبي، فالرأي العام في دول أوروبية عدة أصبح أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية بعد سنوات الحرب في غزة والتطورات في الضفة، والحكومات تواجه ضغوطاً من أحزاب وبرلمانيين ومنظمات حقوقية تطالب بخطوات تتجاوز البيانات.

وفي بريطانيا، ذهب أكثر من 130 خبيراً قانونياً في رسالة نشرت تفاصيلها في 15 أيلول إلى القول إن العقوبات الحالية لا تزال أقل من الالتزامات التي يرون أن القانون الدولي يفرضها، وطالب بعضهم بإجراءات أوسع، والحكومة البريطانية دافعت عن سياستها باعتبارها تحولاً مهماً لدعم حل الدولتين، أي أن الضغط على إسرائيل لا يأتي فقط من خصومها التقليديين، فهناك أيضاً ضغط على الحكومات الأوروبية من داخلها كي تذهب أبعد، وهذا يخلق مساراً تصعيدياً.

فالحكومة تفرض عقوبة محدودة لتلبية جزء من الضغط، والناشطون يقولون إنها غير كافية، وإسرائيل ترد، والرد الإسرائيلي يولد مطالب أوروبية بإجراءات جديدة، وهكذا ينتقل الخلاف درجة بعد أخرى.

كما ان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية مثال مهم، فالقنصلية لها دور تاريخي في العلاقة البريطانية مع الفلسطينيين والقدس، وإغلاقها يحمل رسالة سياسية تتجاوز الموظفين، مفادها ان إسرائيل تريد أن تقول إن الدول التي تستخدم أدوات ضغط ستدفع كلفة في قدرتها الدبلوماسية على الأرض، لكن هذا الرد يمكن أن تكون له نتيجة عكسية، إذا اعتبرت لندن أن إسرائيل تقلص قنواتها الدبلوماسية بسبب موقف قانوني، قد يصبح الخلاف مؤسسياً أكثر.

وهنا يظهر الفارق مع الولايات المتحدة، فواشنطن رفضت الانضمام إلى الحظر الأوروبي واعتبرت بعض هذه الخطوات غير مفيدة للاستقرار، مما منح إسرائيل شبكة أمان مهمة.

لكن الاعتماد المتزايد على الدعم الأميركي في مواجهة تباعد أوروبي يحمل هو الآخر مخاطرة استراتيجية، فإسرائيل استفادت تاريخياً من كون دعمها غربياً واسعاً، لا أميركياً فقط، وكلما أصبحت العلاقة مع أوروبا أكثر نزاعاً، ضاقت هذه القاعدة.

كما ان هناك بعد اقتصادي طويل الأمد، فالاتحاد الأوروبي سوق رئيسية لإسرائيل وشريك علمي وتجاري مهم، ولا توجد حالياً مؤشرات إلى انفصال اقتصادي شامل، لكن العقوبات عادة تبدأ محدودة، مثل منتجات المستوطنات، أفراد، شركات، ثم يصبح السؤال لاحقاً ما إذا كانت الأدوات ستتوسع.

لهذا تحاول إسرائيل الرد مبكراً كي ترفع كلفة السابقة، فإذا مر حظر منتجات المستوطنات بلا رد، قد تشعر دول أخرى أن الخطوة سهلة، والرد الإسرائيلي يريد جعلها صعبة.

لكن السياسة الأوروبية تجاه إسرائيل ليست موحدة، ألمانيا ودول وسط وشرق أوروبا تختلف في درجة استعدادها للعقوبات عن فرنسا وبريطانيا ودول أخرى، والاتحاد الأوروبي نفسه يحتاج إلى توافقات معقدة لاتخاذ بعض القرارات.

لذلك من غير المرجح أن نرى تحولاً أوروبياً موحداً سريعاً، والأرجح هو (ائتلافات دول) تتحرك خارج إجماع الاتحاد، وهذا ما نراه بالفعل.

فهذا النموذج مهم لأنه يسمح للدول التي تريد الضغط بالتحرك من دون انتظار الجميع، وفي المقابل يمنح إسرائيل القدرة على الحفاظ على علاقات قوية مع دول أوروبية أخرى.

الصراع إذن ليس إسرائيل مقابل أوروبا، إنه صراع داخل أوروبا أيضاً حول كيفية التعامل مع إسرائيل، لكن الاتجاه يستحق الانتباه، فقد كانت الحكومات الغربية طوال سنوات تقول إنها تعارض المستوطنات وتدعم حل الدولتين، بينما لم تكن الكلفة المترتبة على تجاهل موقفها كبيرة، والآن تحاول بعض العواصم إضافة كلفة، حتى إذا كانت محدودة، فإنها تغير طبيعة الرسالة.

فالسياسة الخارجية لا تصبح مختلفة حين تتغير الكلمات، بل حين يصبح للقرار ثمن، والخلاف الإسرائيلي الأوروبي وصل إلى هذه العتبة.

ولا يعني ذلك قطيعة، أو أن إسرائيل فقدت الغرب، لكنه يعني أن مساحة كانت تدار بالبيانات الدبلوماسية وحدها بدأت تدخل عالم العقوبات والتجارة والرد بالمثل، وهذا تحول أكثر أهمية من حجم البضائع المحظورة نفسه.

شارك المقال f 𝕏 in