قطر تطالبه بإخراجها وتركيا ترفض استقبالها
فالح الفياض يبحث عن وطن لملياراته

قطر تطالبه بإخراجها وتركيا ترفض استقبالها
فالح الفياض يبحث عن وطن لملياراته

أربيل – سدن

كشفت مصادر سياسية قريبة من تركيا، صحة الأنباء المتداولة بشأن مساعي رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض لنقل أموال وممتلكات خاصة به من قطر إلى تركيا، مؤكدة أن أنقرة رفضت الطلب بعد اتصالات سبقت زيارته إليها ولقائه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مايو/أيار الماضي.

وقالت المصادر لـ(سدن)، إن التحرك نحو تركيا لم يكن الخيار الأول للفياض، وإنما جاء بعد ضغوط واجهها في قطر لإخراج أموال وممتلكات (منها اسهم في شركات دولية كبرى) تعود إليه، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تشدد متزايد تجاه شخصيات وشبكات مرتبطة أو وثيقة الصلة بإيران.

وبحسب المصادر، فقد أجرى الفياض اتصالات مع الجانب التركي قبل وصوله إلى أنقرة، ثم التقى في الأول من مايو/أيار وزير الخارجية هاكان فيدان، في اجتماع أعلنت عنه الخارجية التركية آنذاك بصورة وبيان مقتضب من دون الكشف عن الملفات التي نوقشت بين الطرفين.

وتقول المصادر، إن أنقرة فضلت عدم إبلاغ الفياض بالرفض مباشرة خلال لقائه فيدان، وغادر الاجتماع من دون الحصول على الموافقة التي كان يسعى إليها، قبل أن يصله لاحقاً موقف تركي واضح يفيد بعدم الترحيب بنقل أمواله وممتلكاته إلى البلاد.

وبحسب المصادر، فان الموقف التركي، لم يكن متعلقاً بحسابات مالية فحسب، بل استند إلى قراءة سياسية لمستقبل الفياض نفسه داخل العراق، ففي الوقت الذي طرق فيه رئيس هيئة الحشد أبواب أنقرة، كانت دوائر تركية تتابع عن قرب الجدل المتصاعد في بغداد بشأن مستقبله على رأس الهيئة، إلى جانب تراجع ثقله داخل البيت السياسي الشيعي وصعود قوى منافسة له، فضلاً عن نظرة تركية إليه بوصفه واحداً من المسؤولين العراقيين الأكثر قرباً من إيران، وبحسب (الحرة)، فقد شكلت ثلاثة عوامل أساس الموقف التركي، وهي احتمال مغادرة الفياض رئاسة هيئة الحشد الشعبي، وتراجع نفوذه داخل القوى الشيعية، وعلاقته الوثيقة بطهران.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية بالنظر إلى أن محاولة نقل الأموال جاءت في الأسابيع الأخيرة من حكومة محمد شياع السوداني، وقبل نحو أسبوعين من حصول حكومة علي الزيدي على ثقة مجلس النواب، أي في مرحلة كانت فيها خريطة السلطة الجديدة في بغداد قيد التشكل، ومستقبل عدد من كبار المسؤولين موضع إعادة نظر.

وكانت (سدن) قد كشفت في 22 يونيو/حزيران الماضي، في تقرير بعنوان (فالح الفياض.. طاير طاير)، عن وجود توجه لدى رئيس الوزراء علي الزيدي لإجراء تغيير على رأس هيئة الحشد الشعبي، وأن اسم الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي كان ضمن أبرز الأسماء التي يجري تداولها لإدارة الهيئة في إطار مشروع أوسع لإعادة هيكلتها وإخضاعها بصورة أكثر وضوحاً لسلطة الدولة.

وتشير مصادر سياسية عراقية إلى أن بقاء الفياض في منصبه لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية التي أحاطت به طوال السنوات الماضية، خصوصاً مع صعود قوى شيعية منافسة تسعى بدورها للسيطرة على الهيئة أو تغيير قيادتها.

ويأتي في مقدمة تلك القوى الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، الذي سبق أن انتقد علناً استمرار الفياض الطويل في رئاسة الحشد ودعا إلى تغييره. وحصلت الحركة على 29 مقعداً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، مقابل عشرة مقاعد لتحالف العقد الوطني بزعامة الفياض، وهو تحول أعاد توزيع جزء من موازين القوة داخل البيت الشيعي.

ولا تتوافر حتى الآن معلومات موثقة تسمح بتحديد الحجم الحقيقي لثروة الفياض، أو قيمة الأموال والممتلكات التي تقول المصادر إنه يسعى إلى نقلها خارج قطر، كما لا تظهر في السجلات العلنية المتاحة بيانات كافية عن شركات أو استثمارات شخصية يمكن الاستناد إليها للوصول إلى رقم دقيق، لكن وحسب ما تتداوله الأوساط السياسية العراقية حول ارقام ثروة الفياض، فانها تتجاوز الـ5 مليار دولار، على اقل تقدير.

كما ان القضية تكتسب بعداً مختلفاً بالنظر إلى الوضع القانوني والمالي الدولي لرئيس هيئة الحشد، فالفياض مدرج منذ يناير/كانون الثاني 2021 على قائمة العقوبات الأميركية بموجب برنامج (ماغنيتسكي) العالمي، بعدما اتهمته وزارة الخزانة الأميركية بالارتباط بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال قمع احتجاجات تشرين العراقية عام 2019.

وقالت الخزانة الأميركية عند فرض العقوبات إن الفياض كان عضواً في (خلية أزمة) ضمت قيادات من فصائل مدعومة من إيران، واتهمت عناصر مرتبطة بالحشد باستخدام القوة ضد المتظاهرين العراقيين. ويترتب على العقوبات حظر ممتلكاته ومصالحه المالية الموجودة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أميركيين، فضلاً عن القيود المفروضة على التعامل المالي معه.

وكان معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد قد أشار سابقاً إلى أن العقوبات يمكن أن تعرقل قدرة الفياض على إجراء معاملات مالية دولية، كما تحدث عن احتمال امتلاكه أصولاً في لندن، من دون تقديم وثائق تثبت وجود تلك الأصول أو تقديرات لقيمتها.

وهكذا فان الفياض الذي كان يوصف في بعض الأوساط السياسية العراقية بـ(الرجل الذي لا يغادر المشهد)، يواجه اليوم معادلة مختلفة، فمنصبه لم يعد مضموناً كما كان، وخصومه داخل البيت الشيعي ازدادوا قوة، والعقوبات الأميركية لا تزال تلاحقه، والدول التي يمكن أن تستقبل أمواله باتت تحسب كلفة الاقتراب منه قبل أن تفتح له أبوابها.

وبينما يبقى حجم ثروته الحقيقي مجهولاً، فإن قصة البحث عن مكان جديد لأمواله تثير تساؤلاً في الشارع العراقي، مفاده كيف تكونت مليارات كبار المسؤولين الذين تعاقبوا على المواقع الحساسة منذ عام 2003، والفياض منهم، وأين توجد أموالهم وممتلكاتهم، وهل تتناسب مع مواردهم ودخولهم المعلنة؟