بغداد – سدن
يبدو أن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، قرر هذه الأيام فتح نافذة أخرى في نشاطه السياسي، بعيداً عن اجتماعات الإطار التنسيقي وغرف التفاوض مع قادة الحشد والفصائل، والظهور بصورة رجل الدولة الذي يتحدث عن علاقات العراق العربية والدولية، وحصر السلاح، وسيادة القانون، بل وحتى حماية أمن دول الجوار.
فخلال يومين متتاليين، استقبل المالكي سفيري بريطانيا ومصر لدى بغداد، في لقاءين حملا لغة دبلوماسية بدت أقرب إلى محاولة إعادة تقديم الرجل عربياً ودولياً منها إلى نشاط اعتيادي لرئيس كتلة سياسية.
ففي لقائه السفير المصري الجديد أحمد حسين خفاجي، تحدث المالكي عن مصر بوصفها (الأخت الكبرى) للدول العربية، وعن ضرورة استعادة دورها في العمل العربي، مؤكداً حرص العراق على تعزيز علاقاته مع محيطه العربي.
أما مع السفير البريطاني عرفان صديق، فقد ارتفعت جرعة لغة الدولة أكثر، إذ تحدث عن احترام سيادة الدول، ورفض المساس بأمن الجوار، وحصر السلاح بيد الدولة، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في الاعتداء على المملكة العربية السعودية، وهي لغة قد تبدو طبيعية لو صدرت عن مسؤول حكومي يتولى ملف السياسة الخارجية أو الأمن القومي، لكنها تكتسب دلالة سياسية مختلفة عندما تصدر بهذه الكثافة عن زعيم سياسي يخوض في الوقت نفسه، سلسلة تحركات داخل البيت الشيعي بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وترتيبات حصر السلاح.
فالمالكي كان خلال الأسابيع الماضية طرفاً في الاتصالات التي تستهدف الوصول إلى تفاهم مع الفصائل بشأن سلاحها، وكان مقرراً أن يشارك في اجتماع مع زعامات فصائل مسلحة قبل أن يتعثر الاجتماع بسبب سفر قادة حركة النجباء الى ايران، وفي الوقت ذاته، دخل ائتلافه في سجالات داخل الإطار التنسيقي بشأن ترتيبات ومناصب سياسية، بما يعكس استمرار نشاطه المكثف داخل مطبخ القوى الشيعية.
وبحسب المحلل السياسي احمد النداوي، فان المالكي يريد أن يثبت أن أبواب السفارات والعواصم لم تغلق أمامه، وأنه لا يزال قادراً على تقديم نفسه باعتباره طرفاً يمكن الحديث معه في ملفات الدولة، لا مجرد زعيم داخل الإطار التنسيقي.
ويضيف النداوي، أن المالكي يحاول في المرحلة الحالية إعادة تسويق صورته السياسية خارج حدود جمهوره، مستفيداً من موقعه داخل الإطار وعلاقاته مع قادة الحشد والفصائل، وفي الوقت نفسه منفتحاً على السفارات العربية والغربية، وكأنه يريد إقناع كل طرف بأنه الرجل القادر على التحدث مع الطرف الآخر.
لكن المشكلة -حسب رأي النداوي- ليست في استقبال سفير مصري أو بريطاني، فهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، وإنما في تحويل سلسلة اللقاءات إلى ما يشبه بروفة دبلوماسية لرجل يريد الظهور مجدداً بملابس رجل الدولة، والمالكي يعرف أن الطريق إلى أي دور سياسي أكبر لا يمر عبر الإطار وحده، فهناك بيئة عربية، وعلاقات دولية، وذاكرة سياسية ثقيلة لا يمكن محوها ببيانين دبلوماسيين.
ويتابع النداوي قائلاً، فحين يتحدث المالكي اليوم عن قضية حصر السلاح بيد الدولة، فإن السؤال هو ماذا يستطيع أن يفعل بها على الأرض؟ فالرجل موجود في قلب القوى التي تتفاوض مع الفصائل، ولذلك فإن امتحانه الحقيقي ليس إقناع سفير أجنبي بأنه يؤمن بالدولة، بل إقناع حلفائه بأن الدولة يجب أن تكون صاحبة البندقية الوحيدة.
ويخلص النداوي إلى أن محاولة بناء صورة عربية ودولية جديدة للمالكي قد تمنحه حضوراً واتصالات، لكنها لا تعني تلقائياً نجاح مشروع سياسي أكبر، فالسفراء يستمعون إلى الجميع، والصور الدبلوماسية أسهل كثيراً من إعادة كتابة السجل السياسي، وبين المالكي الذي يصف مصر اليوم بـ(الأخت الكبرى)، والمالكي الذي عادى جميع الدول العربية وصاحب مقولة (معسكر يزيد ومعسكر الحسين) توجد ذاكرة سياسية طائفية طويلة له، ولن تفيده محاولاته باقناع الاخرين بأنه قادر على عبورها.