تفكيك

السعودية في قلب العالم..
لماذا أصبحت أخبار الرياض تتصدر الصحافة الغربية؟

لندن - سدن
19 سبتمبر 2026
السعودية في قلب العالم..
لماذا أصبحت أخبار الرياض تتصدر الصحافة الغربية؟

لندن – سدن

نادراً ما تحظى دولة في أيام قليلة، بهذا القدر من المساحة في الصحافة الأميركية والبريطانية، فـ(فايننشال تايمز) تراقب خطوط النفط السعودية، و(وول ستريت جورنال) تحسب أثر المصافي والممرات على سوق الديزل، و(واشنطن بوست) تبحث مستقبل العلاقة الأمنية بين الرياض وواشنطن، و(التايمز) تسأل عما ستفعله المملكة في اليمن، بينما تلاحق (الغارديان) تداعيات اتفاقاتها الدفاعية مع تركيا وباكستان.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، نتيجة طبيعية للحرب والهجمات الحوثية، لكنه يكشف، عند جمع هذه التغطيات بعضها إلى بعض، حقيقة أوسع، فالسعودية لم تعد خبراً إقليمياً يمكن عزله عن بقية العالم، وما يحدث فيها وحولها، بات يمس الطاقة والتجارة والملاحة والتحالفات والأسعار من لندن إلى بكين وواشنطن.

ليست قصة نفط فقط

أوضح دليل على ذلك أن الصحافة الاقتصادية الغربية لا تتعامل مع الهجمات على المنشآت السعودية باعتبارها أضراراً محلية، فعندما يتعرض خط (شرق – غرب) للخطر، تبدأ الحسابات فوراً بشأن قدرة المملكة على تجاوز مضيق هرمز، وحجم النفط الذي يمكن نقله إلى ينبع، وقدرة البحر الأحمر على استيعاب الصادرات، ثم تنتقل الأسئلة إلى أسعار الخام والديزل والتضخم.

وهذا ما ظهر بوضوح في تغطية (فايننشال تايمز) و(وول ستريت جورنال) لأزمة الطاقة الأخيرة، فاضطراب الخليج وروسيا جعل المصافي والوقود المكرر عنق زجاجة جديداً للاقتصاد العالمي، بعدما ارتفعت أسعار الديزل وظهرت حالات نقص في عدد من الأسواق.

وهنا تحديداً تظهر قيمة السعودية التي لا تعكسها أرقام إنتاج النفط وحدها، فالمملكة ليست بئراً ضخمة يُسحب منها الخام، وإنما منظومة متكاملة من الحقول والمصافي وخطوط الأنابيب والموانئ والطاقة الإنتاجية الاحتياطية وشبكات التصدير، ولذلك فإن أي اضطراب يصيب جزءاً من هذه المنظومة يدخل سريعاً في حسابات التجار والمصافي والحكومات والبنوك المركزية.

بين هرمز وباب المندب

ولعل الجغرافيا تشرح جانباً آخر من هذا الاهتمام، فعلى الجانب الشرقي من المملكة يقع الخليج ومضيق هرمز، وعلى الجانب الغربي البحر الأحمر، وفي نهايته باب المندب، وبين الاثنين أنشأت السعودية على مدى عقود بنية تحتية ضخمة هدفها ألا تبقى صادراتها رهينة ممر بحري واحد، لكن تقدم الحوثيين على الساحل اليمني أعاد رسم المشكلة.

فإذا تعرض هرمز للخطر، تستطيع السعودية استخدام خط (شرق – غرب) وإرسال النفط إلى ينبع، وإذا أصبح البحر الأحمر وباب المندب نفسيهما منطقة عالية المخاطر، فإن العالم لا يواجه مشكلة سعودية فحسب، بل تهديداً لطريقين من أهم طرق الطاقة والتجارة في وقت واحد.

وتشير تقارير غربية إلى أن تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر واقترابهم من باب المندب زادا المخاوف المتعلقة بالشحن والطاقة، فيما ربطت (واشنطن بوست) بين هذه التطورات والضغط الذي تتعرض له منظومة التصدير السعودية.

لهذا أصبح اسم السعودية حاضراً في الصفحات الأولى، فالمملكة تقع اليوم في منتصف الخريطة التي يقلق العالم بشأنها.

عندما تطلب الرياض.. تتحرك بكين

لكن النفط وحده لا يفسر المشهد، فخلال الأيام الماضية طلبت السعودية من الصين التدخل لدى إيران للضغط من أجل الحد من الهجمات الحوثية على منشآتها النفطية، وتحركت بكين بالفعل، وفق (رويترز)، وأثارت المسألة مع طهران، وما إن ظهرت مؤشرات ذلك التحرك حتى تراجعت أسعار النفط.

والمشهد لافت في دلالته، الرياض تتحدث إلى بكين، وبكين تتحرك تجاه طهران، ثم يراقب تجار النفط في لندن ونيويورك نتيجة الاتصالات، وهذه ليست فقط قصة دبلوماسية، إنها مقياس لحجم الوزن الذي باتت السعودية تمتلكه في شبكة العلاقات الدولية.

وأنقرة تعرض السلاح

وفي اتجاه آخر، جاء الموقف التركي، فوزير الخارجية هاكان فيدان أعلن أن تركيا تستطيع المساعدة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية الناشئة عن الهجمات الحوثية، مستنداً إلى إطار التعاون الدفاعي الذي يجمع أنقرة والرياض وإسلام آباد.

وأكد فيدان أن تركيا تأخذ الهجمات على الأراضي والسيادة السعودية بجدية، وأن التعاون يمكن أن يشمل احتياجات تقنية وعسكرية.

وفي الوقت نفسه، بدأت الصحافة البريطانية تناقش ما يعنيه التصعيد بالنسبة إلى باكستان والتزاماتها تجاه المملكة.

واعتبرت (الغارديان) أن اتفاق الدفاع بات أمام اختبار عملي بعدما كان عند توقيعه التزاماً استراتيجياً بعيداً عن ضغط الحرب المباشر.

وهنا تظهر دلالة أخرى ربما تكون أهم من الجدل الدائر حول مقدار الدعم الأميركي للسعودية، فالرياض باتت تمتلك خيارات وشبكة علاقات أوسع من مظلة واحدة.

صحيح ان واشنطن تظل الشريك العسكري الأهم، لكن حولها اليوم علاقات دفاعية مع تركيا وباكستان، وشراكة اقتصادية واستراتيجية واسعة مع الصين، وعلاقات متقدمة مع أوروبا، ومكانة خاصة داخل العالمين العربي والإسلامي.

واشنطن تسأل عن موقعها

حتى التقرير النقدي الذي نشرته (واشنطن بوست) عن حدود الدعم الذي تقدمه إدارة دونالد ترامب للسعودية يحمل، من زاوية أخرى، دلالة على أهمية المملكة.

فالصحيفة خصصت تقريراً مطولاً للسؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة تؤدي الدور الأمني الذي انتظرته الرياض منها بعد عقود من الشراكة.

ونقلت عن السفير الأميركي السابق في السعودية مايكل راتني قوله إن المملكة استثمرت لعقود في شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة استعداداً لتهديد من النوع الذي تواجهه الآن، فيما قال مسؤول في إدارة ترامب إن واشنطن تركز على حماية مصالحها الأساسية وحرية الملاحة وتمكين شركائها الإقليميين من قيادة التعامل مع التحديات الأمنية.

لكن النقاش الأميركي نفسه يكشف شيئاً مهماً، فالسؤال لم يعد فقط، ماذا ستفعل السعودية؟ بل ماذا يعني للولايات المتحدة إذا تغيرت حسابات السعودية الأمنية؟ وتلك علامة فارقة في علاقة الدول الكبرى بالقوى الإقليمية.

المملكة التي لا يستطيع الاقتصاد تجاهلها

هناك طريقة سهلة لمدح الدول، وهي تعداد إنجازاتها ووصفها بالقوة والأهمية، لكن هناك طريقة أكثر إقناعاً، وهي مراقبة ما يفعله العالم عندما تتعرض هذه الدولة للضغط.

في الحالة السعودية، تحركت الصين دبلوماسياً، وعرضت تركيا التعاون العسكري، وبدأت باكستان تناقش التزاماتها، وفتحت الصحافة الأميركية ملف العلاقة الأمنية مع واشنطن، وراحت الصحافة الاقتصادية البريطانية تحسب أثر كل صاروخ وكل خط أنابيب وكل ميناء على أسعار الوقود.

وفي سوق النفط تحديداً، يكفي أحياناً مجرد تغير التوقعات بشأن أمن الإمدادات السعودية كي تتحرك الأسعار، وقد أظهرت تطورات الأيام الأخيرة حساسية السوق الشديدة لما يجري حول المملكة ومسارات صادراتها.

وهذه هي الدلالة الأعمق وراء كثافة أخبار السعودية.. فالمملكة ليست في قلب التغطية الغربية لأنها تواجه أزمة فحسب، بل لأن العالم اكتشف مرة أخرى مقدار ما يمر عبر السعودية أو يعتمد عليها، من نفط ووقود وممرات بحرية واستثمارات وتحالفات وقدرة على التواصل في الوقت نفسه مع واشنطن وبكين وأنقرة وإسلام آباد والعواصم الأوروبية.

صحيح ان الأزمات تكشف مواطن الضعف بالتأكيد، لكنها تكشف أيضاً الوزن، وفي الأيام الأخيرة، وبينما كانت الصحف الغربية تراقب الرياض وينبع وباب المندب وتحسب البراميل والأسعار والتحالفات، ظهرت حقيقة يصعب إخفاؤها وسط ضجيج الحرب، فحين تتحرك السعودية، تتحرك معها حسابات كثيرة في العالم، وحين تتعرض للضغط، لا يبقى أثر ذلك داخل حدودها.

شارك المقال f 𝕏 in