تفكيك

المطعم ممتلئ..
وصاحبه يخسر المال

باريس - سدن
20 سبتمبر 2026
المطعم ممتلئ..
وصاحبه يخسر المال

باريس – سدن

المطعم من أكثر الأعمال خداعاً للناظر من الخارج، ترى الطاولات ممتلئة مساء السبت فتفترض أن صاحبه يربح، لكن الكرسي المشغول لا يعني بالضرورة هامشاً جيداً، والطابور أمام الباب لا يخبرك بشيء عن الإيجار والكهرباء والأجور والمواد الخام والضرائب التي تنتظر في الخلف.

في فرنسا، بدأت هذه الحقيقة تظهر بصورة قاسية، فأكثر من 4,900 منشأة في قطاع المطاعم دخلت إجراءات تعثر منذ بداية 2026، بزيادة تقارب 7 في المئة عن الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات التراس التي أوردتها لوموند.

وفي 2025 وصل عدد الإجراءات إلى 7,300، أي أعلى بنحو 35 في المئة من متوسط 2010-2019.

وهذه ليست قصة فرنسية فقط، إنها قصة الاقتصاد الصغير بعد سنوات من الصدمات المتراكمة، فالجائحة، وارتفاع الطاقة، والغذاء، والأجور، والإيجار، ثم المستهلك الذي أصبح هو نفسه تحت ضغط ويريد أن يأكل بالسعر القديم.

فالمطعم يقع بين نارين، مورده يستطيع رفع السعر، ومالك العقار يستطيع رفع الإيجار، والعامل يطالب بأجر أعلى لأن حياته أصبحت أغلى، لكن صاحب المطعم لا يستطيع رفع طبق العشاء بلا حدود لأن الزبون يستطيع ببساطة أن يبقى في البيت، وهذا يجعل القطاع نموذجاً مثالياً لفهم التضخم.

فالشركة العملاقة تستطيع أحياناً امتصاص جزء من الكلفة، لكن المطعم الصغير يعمل بهامش ضيق أصلاً، وإذا ارتفع سعر عشر مدخلات بنسبة صغيرة، قد تختفي أرباحه كلها.

وهناك تغير آخر في سلوك المستهلك، فالناس لا تتوقف عن الخروج بالضرورة، لكنها تغير ما تطلبه، نحو طبق أقل، ونبيذ أرخص، لا حلوى، وزيارة أقل في الشهر.

هذه التغييرات الصغيرة لا تظهر في صورة المطعم الممتلئ، لكنها تظهر في الحساب، ولهذا يستطيع المطعم أن يبدو ناجحاً وهو يقترب من الإفلاس.

ان هذا القطاع يعاني أيضاً من مشكلة إنتاجية جوهرية، فيمكن للمصنع أن يستخدم روبوتاً وينتج ضعف السيارات، لكن المطعم الراقي لا يستطيع جعل نادل واحد يخدم خمسين طاولة من دون أن تتراجع الخدمة، والطاهي لا يستطيع طبخ الوجبة في نصف الوقت بلا حدود، وهذا ما سماه الاقتصاديون تاريخياً (مرض التكلفة) في قطاعات الخدمات، فالأجور ترتفع مع الاقتصاد، لكن الإنتاجية لا تستطيع الارتفاع بالمعدل نفسه، والنتيجة أن الخدمة تصبح أغلى نسبياً.

كما ان الذكاء الاصطناعي قد يساعد في الحجز والمخزون والتسويق، لكنه لن يطبخ كل مطعم ولن يجلس مكان الزبون.

وهناك أيضاً تغير ثقافي، فالمطعم ليس مجرد مكان لشراء السعرات، إنه جزء من حياة المدينة، من حيث مكان لقاء، موعد، احتفال، وظائف للمهاجرين والشباب، سلسلة شراء من المزارع والمورد، وحين يغلق مطعم مستقل ويحل مكانه فرع لسلسلة كبيرة، لا يتغير الميزان التجاري فقط، بل تتغير شخصية الشارع.

لكن العاطفة لا تكفي لإنقاذ نموذج غير مربح.

والسؤال هو كيف يتكيف القطاع، مع قوائم أقصر، وهدر أقل، وحجوزات أكثر انضباطاً، وساعات فتح أقل، واعتماد أكبر على الأطباق التي تحقق هامشاً جيداً، وربما نهاية فكرة أن المطعم يجب أن يقدم كل شيء لكل الناس.

في بعض المدن بدأت المطاعم الراقية نفسها تقلل أيام العمل لأن فتح الباب في يوم ضعيف قد يكلف أكثر مما يدر، وهذا يبدو غريباً، فكيف شركة تختار ألا تبيع، لكنه منطقي إذا كانت كلفة التشغيل أعلى من الإيراد.

ووفق لوموند، فان الحرارة أضافت هذا الصيف مشكلة أخرى في فرنسا، فالموجات الحارة لم تنقذ القطاع كما كان يؤمل من موسم السياحة.

وفي مدن عربية كثيرة تبدو المطاعم في طفرة مستمرة، لكن الحساب نفسه سيصل إليها، خاصة مع ارتفاع الإيجارات، وتشبع السوق، ومنصات التوصيل التي تأخذ عمولة، والمنافسة على الموظفين، والزبون الذي يملك خيارات لا تنتهي.

وتؤكد لوموند، ان افتتاح المطاعم أسهل من الاستمرار، ولهذا فإن عدد المطاعم الجديدة ليس دائماً دليلاً على صحة القطاع، فقد قد يكون دليلاً على سهولة دخول أشخاص جدد قبل أن يكتشفوا صعوبة الحساب.

وتقول، ان المطعم من الأعمال التي يبدأها الناس أحياناً لأنهم يحبون الطعام، ثم يكتشفون أن عليهم أن يحبوا الجداول المحاسبية أكثر.

وهذه هي الخلاصة القاسية للأزمة الفرنسية بحسب لوموند، فانت تستطيع أن تطبخ طبقاً ممتازاً، وتملأ الصالة، ويحصل مطعمك على تقييمات رائعة، ثم تفشل الشركة.

فالسوق لا يكافئ جودة الطعام وحدها، بل يكافئ القدرة على تقديم الجودة بسعر يستطيع الزبون دفعه، وكلفة يستطيع صاحب المطعم تحملها.

وما بين هذين الرقمين الصغيرين توجد حياة مطعم كاملة.

شارك المقال f 𝕏 in