واشنطن – سدن
قد تبدو فلسفة وارن بافيت الاستثمارية قديمة بصورة تكاد تكون غير ملائمة للعصر، فرجل يقرأ، ينتظر، يشتري شركة يفهمها، ثم يحتفظ بها سنوات، في عالم تتحرك فيه مليارات الدولارات بخوارزميات في أجزاء من الثانية ويستطيع المستثمر شراء سهم وبيعه من سريره قبل الإفطار.
ومع ذلك، عادت (واشنطن بوست) السبت إلى إرثه من زاوية شديدة الصلة باللحظة الحالية، فبافيت لم يجعل الصبر مربحاً فقط، بل جعله يبدو، على نحو غريب، جذاباً في زمن السرعة.
والمسألة أكبر من الاستثمار، فنحن نعيش داخل اقتصاد يكافئ الاستجابة الفورية.. فالخبر الآن، الرسالة الآن، التوصيل الآن، الفيديو التالي خلال ثانية، حتى الاستثمار دخل منطق الترفيه، من حيث تطبيقات سهلة، رسوم قليلة، شاشات تتحرك، إشعارات، ألوان، كل شيء يقول للمستخدم: افعل شيئاً، لكن أحياناً أفضل قرار مالي هو ألا تفعل شيئاً.. وهذه فكرة يصعب بيعها في اقتصاد الانتباه.
فالشركة لا تربح من عدم ضغطك على الزر، والمنصة تريد نشاطاً، ووسائل الإعلام تريد قصة، والسوق نفسه يقدم سعراً جديداً كل ثانية كأنه يطالبك برأي جديد كل ثانية.
وهكذا بافيت بنى فلسفته على العكس، فالسعر المتغير لا يعني أن القيمة الأساسية تغيرت.
فإذا كنت تملك شركة جيدة، فإن انخفاض سهمها صباح الثلاثاء لا يعني بالضرورة أن الشركة أصبحت أسوأ بين الاثنين والثلاثاء، وهذه البساطة تحتاج إلى انضباط نفسي أكثر من معرفة مالية.
فالإنسان يكره الخسارة ويرى الآخرين يربحون، ويخاف أن يفوته الشيء، صحيح ان هذه المشاعر قديمة، لكن الهاتف جعلها مستمرة، فالمستثمر كان قبل أربعين عاماً يعرف سعر سهمه من الصحيفة، واليوم يستطيع مشاهدة خسارته وهي تتغير كل ثانية، والمعلومة الأكثر قد تجعله يتصرف بصورة أسوأ، وهذه مفارقة مهمة، فالوصول إلى البيانات لا يساوي الحكمة، بل إن البيانات المستمرة تستطيع تحويل الضوضاء إلى قرار.
صحيح ان الأسواق تحتاج إلى التداول بالطبع، لكن لا يعني هذا أن الاستثمار النشط خطأ أو أن فلسفة بافيت تصلح لكل أصل وكل شخص، الا ان إرثه يذكرنا بفارق مهم بين النشاط والإنجاز، بحيث يمكن للإنسان أن يتخذ خمسين قراراً مالياً في الشهر ويكون أسوأ من شخص اتخذ قرارين، والشيء نفسه يحدث في العمل، فنحن نجيب البريد، ونحضر الاجتماعات، ونرسل الرسائل، ونبدو مشغولين، ثم نسأل في نهاية الأسبوع ماذا أنجزنا فعلاً.
ان السرعة تمنح شعوراً بالسيطرة، والصبر يحتاج إلى تحمل الفراغ، وهذا ما يجعل الصبر نادراً، وفي الاستثمار يحتاج الربح المركب إلى وقت، لكن الثقافة الرقمية تدرب الدماغ على المكافأة السريعة، بينما أهم النتائج في الحياة تأتي غالباً من عمليات لا تقدم إشعاراً يومياً بأنها تعمل.
وربما يكون أكثر ما يستحق أخذه من بافيت بعيداً عن الأسهم، ان الثروة ليست دائماً نتيجة العثور على السر الكبير، فأحياناً هي نتيجة فعل شيء معقول لمدة طويلة بينما يفقد الآخرون صبرهم، وفي زمن الخوارزميات، أصبح الانتظار نفسه ميزة تنافسية، ليس لأن العالم تباطأ، بل لأنه تسارع إلى درجة أن الشخص القادر على عدم الاستجابة لكل حركة يملك شيئاً نادراً، هو القدرة على التمييز بين ما تغير فعلاً وما تحرك فقط، وهذا هو جوهر الاستثمار كما هو جوهر كثير من الحياة، فليس كل ما يتحرك يستحق أن نتحرك معه.