الملك عبدالله الثاني يرفع سقف التحذير من نيويورك:
أمن الأردن ومياهه خط أحمر وإسرائيل باتت تهديداً إقليمياً

الملك عبدالله الثاني يرفع سقف التحذير من نيويورك:
أمن الأردن ومياهه خط أحمر وإسرائيل باتت تهديداً إقليمياً

نيويورك – سدن

في واحدة من أكثر كلماته صراحة أمام الأمم المتحدة، وجّه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني تحذيراً مباشراً من أن السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية لم تعد تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تحولت، بما تحمله من أطماع توسعية وتغييرات متسارعة على الأرض، إلى تهديد إقليمي يمس بصورة مباشرة الأمن القومي الأردني، مؤكداً أن عمّان لن تقف متفرجة إذا تعرضت حدودها الشمالية أو أمنها المائي للخطر.

وحظيت كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الجلسة الافتتاحية للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بمتابعة واسعة في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بعدما حملت لغة أكثر حدة في توصيف التطورات في غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، وربطت بينها ضمن قراءة واحدة تعتبر أن العالم دفع ثمن سنوات من التعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثاً مؤقتة يمكن احتواؤها بدلاً من معالجة أسبابها.

وانطلق الملك في خطابه من فكرة (الانتباه) بوصفه مورداً سياسياً وجيوسياسياً نادراً، محذراً من أن أخطر ما يواجه العالم ليس فقط الأزمات التي تنفجر أمامه، وإنما تلك التي يعتاد عليها تدريجياً حتى تتحول الوقائع الاستثنائية إلى واقع دائم. ومن هذه الزاوية، انتقل إلى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، مذكراً بأنه حذر على مدى عقود من عواقب تركه من دون حل، فيما اختار المجتمع الدولي، بحسب تعبيره، (احتواء الصراع بدلاً من التصدي لحله).

وقال العاهل الاردني إن التعامل مع كل انتهاك إسرائيلي باعتباره إجراءً مؤقتاً أدى بمرور الوقت إلى تثبيت وقائع جديدة، حتى أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً، واضعاً ما يجري في غزة والضفة الغربية ضمن سياق سياسي واحد، لا باعتبارهما أزمتين منفصلتين.

وحول غزة، قال الملك إن الحكومة الإسرائيلية واصلت هجماتها وتدمير البنية التحتية المدنية ورفض الانسحاب، رغم الجهود التي بذلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوصول إلى السلام وإنهاء الحرب، واعتبر أن الوقائع التي تراكمت في القطاع لم يعد ممكناً توصيفها باعتبارها مجرد تدابير عسكرية مؤقتة أو نتائج جانبية للحرب، بل محاولة لفرض واقع جديد وتقليص الوجود الفلسطيني.

لكن الجزء الأكثر تفصيلاً من الخطاب خصص للضفة الغربية، حيث حذر العاهل الأردني من أن ما يجري لم يعد مجرد تكرار لدورات سابقة من الاستيطان والعنف والنزوح، وإنما يمثل تحولاً جذرياً في الوضع على الأرض.

وتحدث الملك عن توسع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير العائلات الفلسطينية وتصاعد اعتداءات المستوطنين، معتبراً أن سلسلة الإجراءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً منفصلة، وقال إن هدم المنازل لتوسيع المستوطنات ليس مجرد تنفيذ للقانون، والاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس تسجيلاً للأراضي، وإنما ممارسات تقود، إلى التهجير القسري والضم الفعلي.

وذهب الملك أبعد من ذلك حين اتهم الحكومة الإسرائيلية بتقديم صورة في المحافل الدولية تختلف عما يجري على الأرض، قائلاً إن الجنود الإسرائيليين يقفون في حالات كثيرة متفرجين أمام اعتداءات المستوطنين، أو يوفرون الحماية للمعتدين، أو يشاركون في تلك الاعتداءات.

واعتبر أن غزة والضفة الغربية أصبحتا وجهين لاستراتيجية واحدة تقوض بصورة متدرجة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، من خلال التدمير في غزة، ومن خلال توسيع الاستيطان وفرض الوقائع وضم الأراضي فعلياً في الضفة الغربية.

كما رفض الملك عبدالله الثاني ما وصفه بوهم أن الدول العربية لم تسع إلى السلام، مستعيداً مبادرة السلام العربية لعام 2002 التي عرضت إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، ومعتبراً أن المشكلة لم تكن في غياب عرض عربي للسلام، وإنما في عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله.

وفي واحدة من أبرز رسائل الخطاب، حذر الملك عبدالله الثاني من محاولة تقديم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي باعتباره مواجهة دينية بين الإسلام من جهة واليهودية والمسيحية من جهة أخرى، مؤكداً أن القضية تتعلق بحقوق الفلسطينيين، المسلمين والمسيحيين، وليس بحرب بين الأديان.

وقال إن العالم يمتلك أدوات ضغط استخدمها في أزمات أخرى، من العقوبات وتجميد الأصول إلى الحظر والعزل الدبلوماسي، لكن هذه الأدوات، لا تستخدم بالطريقة نفسها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، الأمر الذي أنتج شعوراً متزايداً بالإفلات من العقاب.

ومن فلسطين، انتقل الملك إلى سوريا، وهو جزء أثار أيضاً اهتماماً كبيراً في التغطيات الإقليمية والدولية للخطاب، محذراً من أن الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً، وأن سوريا أصبحت إنذاراً يختار المجتمع الدولي ألا يعيره الاهتمام الكافي.

وأشار إلى التوغلات الإسرائيلية المتكررة والتوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينها ما يتعلق بمصادر المياه، محذراً من أن إسرائيل تختبر، خطوة بعد أخرى، الحدود التي يمكن أن تصل إليها في ظل غياب رد دولي رادع.

وهنا انتقل الملك من توصيف الأزمة الإقليمية إلى رسالة أردنية مباشرة وحاسمة، قائلاً إن المسألة بالنسبة إلى عمّان لا تحتمل الالتباس "أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي".

وأضاف، لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا، قبل أن يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بشأن استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، متسائلاً عما إذا كان العالم سيواصل السماح بهذا النهج من دون تحرك.

وبذلك نقل الملك ملف التحركات الإسرائيلية في سوريا من دائرة الموقف السياسي الأردني العام إلى مستوى الأمن القومي المباشر، رابطاً للمرة الأولى بهذه الصراحة بين الحدود الشمالية والمياه والمصالح الاستراتيجية الأردنية وبين التطورات الميدانية جنوب سوريا.

وقدم الملك تصوراً للدور الذي يريد الأردن مواصلة لعبه، قائلاً إن المملكة لا تستطيع الاختيار بين التعامل مع الأزمات الطارئة وبناء المستقبل، ولذلك تمضي في المسارين معاً، في تعزيز موقعها مركزاً للتجارة والصناعة والتكنولوجيا يربط الخليج بالبحر المتوسط، وتطوير قدراتها الدفاعية، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، والاستجابة للأزمات الإنسانية.

وجدد الملك التزام الأردن بدعم صمود الفلسطينيين ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

كما شدد على حماية الوجود المسيحي وإرثه في المنطقة، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة خطاب الكراهية، واضعاً ذلك ضمن النموذج الأردني، كدولة منفتحة وثابتة في مواقفها، ومستعدة للحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.

لكن الملك ختم هذه الرسالة بتنبيه واضح إلى عدم إساءة تفسير النهج الأردني، قائلاً إن تمسك المملكة بالدبلوماسية لا ينبغي لأحد اعتباره أمراً مسلّماً به، أو إساءة تقديره على أنه ضعف.

وكانت تلك العبارة، إلى جانب التحذير المتعلق بحدود الأردن ومياهه، من أكثر الرسائل السياسية وضوحاً في الخطاب، فعمّان ما تزال تقدم الدبلوماسية والتسوية والقانون الدولي بوصفها خياراتها الأساسية، لكنها تضع في الوقت نفسه حدوداً لما يمكن أن تقبله عندما تنتقل تداعيات الصراع من جوارها إلى أمنها المباشر.

وفي المحصلة، لم تكن كلمة الملك عبدالله الثاني خطاباً أردنياً جديداً عن القضية الفلسطينية بقدر ما كانت محاولة لوضع خريطة مترابطة للمخاطر التي تتشكل في الإقليم، فغزة التي يتحول فيها الاستثنائي إلى دائم، والضفة الغربية التي تتعرض لعملية تغيير متسارعة على الأرض، وسوريا التي حذر من تحول التوغلات فيها إلى وقائع ثابتة، وصولاً إلى الأردن الذي أعلن من على منبر الأمم المتحدة أن حدوده ومياهه ومصالح شعبه تقع في دائرة لا يسمح بتجاوزها.

والرسالة التي أراد إيصالها إلى المجتمع الدولي بدت واضحة، فتجاهل الأزمات لا يجمدها في مكانها، وإنما يمنحها الوقت لتكبر، وما اختار العالم طوال سنوات أن يتعامل معه باعتباره أزمة فلسطينية يمكن احتواؤها، يحذر الأردن اليوم من أنه يتحول إلى مشكلة أمن إقليمي تتجاوز فلسطين إلى سوريا ودول الجوار، وتضع مصداقية القانون الدولي نفسه أمام اختبار مفتوح.