واشنطن - سدن
حين وصل الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، واختار الرئيس الأميركي أن يستقبله شخصياً في المطار في لفتة نادرة، ثم أحاط زيارته بمظاهر الدولة الكاملة قبل اجتماعهما في البيت الأبيض أمس الخميس، كان من السهل أن تبدو الصور كأنها إعلان عن ذوبان الجليد بين القوتين اللتين دفعت منافستهما الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة النظر في كل شيء تقريباً، من الرسوم الجمركية إلى الرقائق وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية وتايوان، إلا أن ما يجري في واشنطن لا يمثل عودة إلى زمن الشراكة الأميركية - الصينية بقدر ما يمثل محاولة أكثر نضجاً لإدارة خصومة اكتشف الطرفان أن تركها بلا ضوابط يمكن أن يصبح مكلفاً حتى بالنسبة إليهما.
اليوم.. أفادت (رويترز) بأن ترامب دخل القمة وهو يبحث عن مكسب تجاري واضح، فيما أظهرت الترتيبات السابقة للاجتماع استعداد الجانبين لتمديد الهدنة التجارية وتخفيف بعض نقاط الاحتكاك، أما (لوموند) الفرنسية فلفتت إلى الدلالة السياسية للاستقبال الشخصي الذي خص به ترامب ضيفه الصيني، وهو استقبال يعكس أهمية الزيارة لكنه لا يلغي قائمة الخلافات الطويلة التي دخلت معه إلى واشنطن.
والواقع أن العلاقات بين واشنطن وبكين تغيرت على نحو يجعل العودة إلى النموذج القديم شديدة الصعوبة، إذ كان الافتراض الأميركي طوال عقود يقوم على أن إدماج الصين في الاقتصاد العالمي سيجعلها أكثر ارتباطاً بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، فيما كان الافتراض الصيني أن الاستفادة من التجارة والاستثمار والتكنولوجيا الغربية يمكن أن تستمر من دون أن تضطر بكين إلى إعادة تشكيل نظامها السياسي أو التخلي عن طموحها في التحول إلى قوة عظمى مستقلة، وقد نجح الترتيب زمناً طويلاً لأن الطرفين كانا يربحان منه اقتصادياً، لكن نجاح الصين نفسه غير المعادلة، فالدولة التي دخلت منظمة التجارة العالمية بوصفها مصنعاً ضخماً منخفض الكلفة أصبحت منافساً في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والاتصالات والفضاء والذكاء الاصطناعي، بينما بدأت واشنطن تنظر إلى أجزاء متزايدة من التجارة لا باعتبارها تبادلاً اقتصادياً طبيعياً، وإنما باعتبارها مسألة أمن قومي.
ومن هنا جاءت القيود على الرقائق، ومنها أيضاً جاءت السياسات الصينية لبناء بدائل محلية، فكل قيد أميركي عزز في بكين الحجة القائلة إن الاعتماد على التكنولوجيا الغربية نقطة ضعف استراتيجية، وكل محاولة صينية للاستقلال عززت بدورها في واشنطن الاعتقاد بأن الصين لا تريد المشاركة في النظام القائم وإنما بناء نظام تستطيع قيادته.
ولهذا تبدو القمة الحالية أقرب إلى مفاوضات بين قوتين تريدان وضع حواجز على طريق التصادم، لا إلى مصالحة بينهما.
من جهتها، اشارت (فايننشال تايمز) اليوم، إلى تمديد الهدنة التجارية إلى يناير، وهو تطور مهم لأنه يمنع العودة الفورية إلى دوامة رفع الرسوم والرد عليها، لكنه لا يعالج الخلافات البنيوية حول الدعم الصناعي والوصول إلى الأسواق والمعادن الحرجة والتكنولوجيا، فيما كانت المحادثات التمهيدية قد تناولت الذكاء الاصطناعي والعناصر الأرضية النادرة، وهي ملفات تكشف بوضوح أن التجارة أصبحت متداخلة تماماً مع الأمن.
وإذا كان النفط قد حدد جانباً من القوة الدولية في القرن العشرين، فإن القدرة على تصنيع الرقائق والوصول إلى المعادن التي تدخل في البطاريات والمحركات والتقنيات العسكرية، إلى جانب امتلاك مراكز البيانات والنماذج المتقدمة، باتت تحدد جانباً متزايداً من القوة في القرن الحادي والعشرين، ولذلك لم يعد ممكناً فصل التفاوض على الرسوم عن التفاوض على مستقبل التفوق الصناعي نفسه.
أما تايوان فتبقى النقطة التي تستطيع وحدها نقل المنافسة من الاقتصاد إلى الحرب، لأن بكين تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها وتصر على هدف إعادة التوحيد، فيما تحافظ الولايات المتحدة على سياسة الردع والغموض الاستراتيجي ودعم قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها، ومن هنا فإن أي تحسن في العلاقات الأميركية–الصينية يحمل بالنسبة إلى تايبيه شعورين متناقضين، فهو يقلل احتمال التصعيد من جهة، لكنه يثير من جهة أخرى الخشية من أن تصبح الجزيرة بنداً داخل صفقة أكبر، وهي حساسية تدركها اليابان أيضاً، إذ تابعت حكومة رئيسة الوزراء تاكيشي القمة باهتمام خاص بعد أشهر من التوتر مع بكين حول تصريحات مرتبطة باحتمال أزمة في تايوان، وقد أشارت صحيفة The Japan Times قبل اللقاء إلى أن طوكيو سعت إلى تنسيق مواقفها مع واشنطن لأنها لا تريد أن تتفاجأ بتفاهم أميركي–صيني يمس التوازن الأمني في شرق آسيا.
لكن الجانب الأكثر أهمية في القمة، هو ان الشركات والحكومات على جانبي المحيط الهادئ بدأت بالفعل إعادة بناء سلاسل الإمداد على افتراض أن التوتر طويل الأمد، ولذلك توسع الولايات المتحدة قدراتها المحلية في أشباه الموصلات وتبحث عن مصادر بديلة للمعادن، بينما تدعم الصين ما تسميه (العمالقة الصغار)، وهي شركات متخصصة في الصناعات المتقدمة تسعى بكين من خلالها إلى سد الثغرات في سلسلة التكنولوجيا المحلية، وقد أعلنت الحكومة الصينية هذا الشهر خطة تستهدف رفع عدد هذه الشركات وتوسيع الاستثمار في الروبوتات والمواد الجديدة والتكنولوجيا الكمية والذكاء الاصطناعي، أي أن السياسة الصناعية نفسها أصبحت جزءاً من الرد على الولايات المتحدة.
ومن هنا فإن الاتفاق السياسي يستطيع تهدئة السوق، لكنه لا يستطيع بسهولة إقناع مجلس إدارة شركة أميركية بأن يعود إلى الاعتماد الكامل على مورد صيني، كما لا يستطيع إقناع شركة صينية بأن العقوبات التكنولوجية لن تعود بعد عامين أو خمسة.