تفكيك

ألمانيا تتحرك أخيراً..
نمو صغير يحمل معنى أكبر من رقمه

لندن - سدن
25 سبتمبر 2026
ألمانيا تتحرك أخيراً..
نمو صغير يحمل معنى أكبر من رقمه

لندن - سدن

حين رفعت المعاهد الاقتصادية الألمانية الكبرى توقعاتها للنمو خلال العام الحالي والعام المقبل، بالتزامن مع تحسن معنويات الشركات، لم يكن الرقم وحده هو المهم، لأن اقتصاداً بحجم الاقتصاد الألماني لا يتحول من أزمة هيكلية إلى ازدهار لمجرد تعديل بضعة أعشار من النقطة في توقعات الناتج، إلا أن أهمية الخبر تكمن في أنه يأتي بعد سنوات بدا فيها النموذج الاقتصادي الذي صنع قوة ألمانيا منذ نهاية الحرب الباردة وكأنه فقد ركائزه الواحدة تلو الأخرى، فالطاقة الروسية الرخيصة لم تعد متاحة بالشكل السابق، والسوق الصينية لم تعد مجرد فرصة تصديرية بل أصبحت منافساً صناعياً، والسيارات الألمانية تواجه هجوماً كهربائياً آسيوياً، فيما أثقلت البيروقراطية والاستثمار الضعيف في البنية الرقمية والطاقة والسكك الحديدية قدرة الشركات على التحرك بالسرعة التي يتطلبها الاقتصاد الجديد.

ووفق تقرير لـ(رويترز) اليوم، فقد رفعت المعاهد توقعاتها في وقت تحسنت فيه ثقة الشركات، وهو ما يقدم أول إشارة إلى أن سنوات الركود والقلق ربما بدأت تفسح المجال لتعافٍ محدود، لكنه لا يزال مشروطاً بالإصلاح والاستثمار.

ولعقود كان النموذج الألماني واضحاً إلى درجة أنه بدا وصفة لا تحتاج إلى تعديل، من حيث عدد المصانع عالية الكفاءة، والشركات المتوسطة المتخصصة، وطاقة روسية رخيصة، وطلب صيني هائل، وعملة أوروبية، وسوق أوروبية مفتوحة تستوعب السلع، وقد جعل هذا المزيج ألمانيا أكبر قوة صناعية في القارة، إلا أن كل عنصر تقريباً تعرض لهزة، فالحرب الروسية -  الأوكرانية أعادت رسم خريطة الطاقة، والصين التي كانت تشتري السيارات والآلات الألمانية أصبحت تنتج سيارات كهربائية ومعدات صناعية تنافسها، فيما تحولت الولايات المتحدة إلى سياسة صناعية أكثر حمائية، وهكذا وجدت برلين نفسها أمام عالم أقل ملاءمة للنموذج الذي أتقنته.

ولذلك فإن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يعني العودة إلى عام 2015، لأن ذلك العالم لم يعد موجوداً، بل يحتاج إلى نموذج ألماني جديد يربط الصناعة التقليدية بالطاقة الجديدة والرقمنة والدفاع والذكاء الاصطناعي، وهنا تصبح الاستثمارات العامة والخاصة حاسمة، إذ لا تكفي براعة الشركات إذا كانت شبكة الكهرباء لا تتوسع بالسرعة المطلوبة أو كانت إجراءات الترخيص تستغرق سنوات، كما أن الانتقال إلى السيارات الكهربائية لا يتعلق بمحرك جديد فقط، وإنما بالبطاريات والبرمجيات والرقائق والبنية التحتية للشحن، وهي مجالات لا تحتفظ فيها ألمانيا تلقائياً بالتفوق الذي امتلكته في المحرك التقليدي.

ويظهر التحدي نفسه في سوق العقارات، إذ تقول (رويترز) أن أسعار المنازل الألمانية واصلت الارتفاع في الربع الثاني للربع السابع على التوالي، لكن بوتيرة أبطأ، وهو ما يعكس اقتصاداً يحاول الخروج من صدمة الفائدة من دون أن يعود إلى طفرة الائتمان القديمة،  فالفائدة المرتفعة تضغط على البناء والتمويل، بينما تعاني مدن ألمانية كثيرة نقصاً في السكن، وإذا لم تستطع الدولة زيادة العرض فإن تحسن الاقتصاد يمكن أن يعيد رفع الأسعار والإيجارات بصورة تعمق الضغوط الاجتماعية، أي أن التعافي الصناعي يحتاج إلى أن يرافقه إصلاح في الإسكان والنقل والخدمات حتى لا يتحول النمو إلى رقم لا يشعر به المواطن.

كما أن ألمانيا تواجه تحولاً ديموغرافياً يزيد تعقيد الصورة، فالسكان يتقدمون في العمر وسوق العمل تحتاج إلى عمال مهرة، بينما يبقى ملف الهجرة سياسياً حساساً، ومن هنا فإن أي استراتيجية للنمو لا تستطيع الاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا وحدهما، بل تحتاج إلى سياسة واضحة لاستقطاب المهارات ودمجها، وإلى رفع مشاركة النساء وكبار السن، وإلى استخدام الأتمتة لتعويض جزء من النقص، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات بالنسبة إلى ألمانيا أدوات ديموغرافية بقدر ما هي أدوات إنتاجية.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن يتحول الإنفاق الدفاعي المتزايد إلى محرك صناعي، إذ إن أوروبا قررت بعد الحرب في أوكرانيا أن تعيد بناء جزء من قدرتها العسكرية، وألمانيا بما تملكه من قاعدة هندسية تستطيع الاستفادة من ذلك، لكن الخطر أن يصبح الإنفاق الدفاعي بديلاً عن الاستثمار المدني بدلاً من أن يكون مكملاً له، خصوصاً في بيئة مالية أصبحت فيها الفائدة أعلى والدين أكثر كلفة، ولهذا فإن السؤال الألماني ليس مقدار الأموال التي ستنفق فقط، وإنما كيفية توزيعها بين الأمن والبنية الأساسية والابتكار والخدمات الاجتماعية.

وإذا كانت المعاهد الاقتصادية قد رفعت توقعاتها، فإن ذلك ينبغي أن يقرأ كبداية اختبار لا كنهايته، لأن الاقتصاد الألماني ما يزال يملك أصولاً يصعب تكرارها، حيث القوة الصناعية، والجامعات والمعاهد البحثية، وشبكة شركات متوسطة متخصصة، ومؤسسات مستقرة، وقاعدة تصديرية عالمية، إلا أن امتلاك هذه الأصول لا يضمن استمرار التفوق إذا تغيرت التكنولوجيا والأسواق أسرع من المؤسسات، فألمانيا لا تحتاج إلى التخلي عن الصناعة التي صنعت ثروتها، وإنما إلى تحديث تعريف الصناعة نفسها، بحيث تصبح البرمجيات والطاقة والذكاء الاصطناعي والبطاريات جزءاً من (صنع في ألمانيا) بقدر ما كانت الآلة والمحرك في الماضي.

ولهذا فإن الرقم الصغير في توقعات النمو يحمل معنى أكبر منه، فهو يمنح برلين مساحة سياسية ونفسية للخروج من خطاب الانحدار الذي سيطر على السنوات الماضية، لكنه لا يعفيها من المهمة الأصعب، وهي تحويل التعافي الدوري إلى تحول هيكلي، وإذا نجحت ألمانيا في ذلك، فقد تكون سنوات الأزمة قد أدت الوظيفة التي تؤديها الأزمات أحياناً حين تجبر اقتصاداً ناجحاً على تغيير النموذج قبل أن يصبح نجاحه السابق سبباً في تأخره اللاحق.

شارك المقال f 𝕏 in