بنية مسلحة أكثر تعقيداً وخطورة.. وخلايا تتجاوز الفصائل وترتبط مباشرة بطهران
الحرس الثوري الايراني يبني (جيش الظل) داخل العراق

بنية مسلحة أكثر تعقيداً وخطورة.. وخلايا تتجاوز الفصائل وترتبط مباشرة بطهران
الحرس الثوري الايراني يبني (جيش الظل) داخل العراق

بغداد – سدن

لم يعد ملف السلاح خارج الدولة في العراق مقتصراً - وفق معطيات أميركية ومصادر عراقية - على الفصائل المعروفة وقادتها الذين تتفاوض معهم بغداد منذ أشهر، إذ بدأت تتكشف ملامح بنية مسلحة أكثر تعقيداً وخطورة، تقوم على خلايا صغيرة ومنفصلة، تستقطب عناصر من داخل الفصائل نفسها، لكنها تتجاوز قياداتها وترتبط مباشرة بضباط في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

وكشف تقرير لـ(منتدى الشرق الأوسط) الأميركي، أن العقيد في الحرس الثوري الإيراني حامد عبد اللهي، المعروف في الأوساط العراقية باسم (الحاج حامد)، يشرف على شبكة من الخلايا المسلحة التي تضم مقاتلين جرى اختيارهم من فصائل عراقية كبيرة موالية لإيران، من دون أن تخضع هذه المجموعات بصورة كاملة للتسلسل القيادي للفصائل التي ينتمي إليها عناصرها، إذ تتلقى توجيهاتها وترفع تقاريرها مباشرة إلى عبد اللهي، ونقل التقرير هذه المعلومات عن ثلاثة قادة في فصائل عراقية متحالفة مع طهران.

وتمنح هذه المعلومات ملف حصر السلاح بعداً أمنياً مختلفاً تماماً، فالحكومة العراقية تستطيع نظرياً التفاوض مع قيادة فصيل معروف بشأن مخازنه وأسلحته ومقراته، لكنها تواجه معضلة أكبر عندما تكون أمام مجموعات صغيرة لا تعترف عملياً بمرجعية القيادة العراقية للفصيل، ولا تحتاج إلى هيكل عسكري واسع أو مقرات ظاهرة، وإنما تعمل وفق نموذج الخلايا المنفصلة التي يصعب رصدها واختراقها وربط عملياتها بالجهة التي أصدرت الأمر.

من هو الحاج حامد؟

حامد عبد اللهي ليس اسماً جديداً في ملفات الأجهزة الغربية، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2011 أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على قائمة العقوبات، وعرفته آنذاك بأنه مسؤول كبير في فيلق القدس، وقالت إنه نسق جوانب من مخطط اغتيال السفير السعودي في واشنطن آنذاك عادل الجبير، وأشرف على مسؤولين آخرين في الفيلق شاركوا في التخطيط للعملية، وما يزال اسمه مدرجاً على قوائم العقوبات الأميركية، فيما تدرجه بريطانيا أيضاً بصفته قيادياً كبيراً في فيلق القدس وتفرض عليه تجميداً للأصول وحظر سفر وعقوبات أخرى.

وبحسب التقرير الأميركي، ارتبط اسم عبد اللهي بعد مقتل قاسم سليماني بمجموعات عراقية أصغر حجماً، بينها جماعة (الوارثون)، قبل أن يعود اسمه بقوة إلى التداول بعد ضربة أميركية استهدفت منزلاً في منطقة الجادرية وسط بغداد في آذار/مارس الماضي.

وتقول مصادر عراقية استند إليها التقرير إن عبد اللهي كان موجوداً ونجا من الضربة، ثم قلص ظهوره واجتماعاته المباشرة واعتمد بصورة أكبر على مساعدين لنقل التعليمات، إلا أن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى روايات أخرى تحدثت عن استهداف مسؤول آخر في فيلق القدس يدعى حامد ناصري، وهو ما يجعل هوية المستهدفين في تلك العملية موضع تضارب في المصادر المفتوحة.

وتشير المعلومات التي جمعها التقرير إلى إنشاء إيران ثلاث أو أربع خلايا في جنوب العراق، يبلغ قوام الواحدة منها نحو عشرة عناصر فقط، وعلى الرغم من صغر حجمها، نسبت مصادر عراقية إليها ما لا يقل عن سبع هجمات استهدفت السعودية والكويت والإمارات خلال الفترة الممتدة بين 20 نيسان/أبريل و17 أيار/مايو الماضيين.

والأكثر حساسية أن بعض عناصر هذه الخلايا جاءوا أساساً من تشكيلات مرتبطة بما يعرف بـ(المقاومة الإسلامية في العراق)، لكنهم، وفق المصادر، لم يعملوا من خلال قنوات القيادة التقليدية للفصائل، وإنما تجاوزوها واتصلوا مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.

وهنا تكمن العقدة السياسية والأمنية بالنسبة إلى بغداد، فإذا صحت هذه المعطيات، فإن تفكيك فصيل أو إخضاع قيادته لقرار الدولة لن يعني بالضرورة انتهاء قدرته الهجومية، لأن جزءاً من العناصر المدربة قد يكون انتقل بالفعل إلى بنية موازية أصغر حجماً، لا تتحكم بها القيادة السياسية أو العسكرية التقليدية للفصيل. 

من (غرفة الشرع) إلى جبهة الخليج

وتحدثت مصادر أمنية عراقية، وفق التقرير، عن إعادة تنشيط ما يعرف بـ(غرفة إيران) أو (غرفة الشرع)، وهي بنية قالت المصادر إنها ظهرت خلال عام 2025 في سياق تحركات استهدفت الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، قبل أن تتغير أولوياتها لاحقاً باتجاه الخليج العربي مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وباب المندب.

وتقول تلك المصادر إن الغرفة جمعت عناصر عراقية مرتبطة بإيران إلى جانب عناصر حوثية، بما يشير إلى محاولة إنشاء شبكة عمليات عابرة للحدود لا تعتمد بالضرورة على التنظيمات الكبيرة المعروفة، بل على مجموعات أصغر يمكن تحريكها بحسب الجبهة المطلوبة والظرف السياسي والأمني. 

خط (شرق – غرب) يكشف الخطر

لكن التطور الأخطر جاء مع الهجوم على خط أنابيب النفط السعودي «(شرق -غرب) يومي 10 و11 أيلول/سبتمبر الجاري، وبحسب التقرير، قال مسؤولون سعوديون إن الطائرات المسيرة المستخدمة في الهجوم انطلقت من الأراضي العراقية، قبل أن يؤكد تحقيق عراقي مسار الإطلاق، الأمر الذي أعقبه إعفاء مسؤولين أمنيين في ميسان وتحركات للبحث عن منصات إطلاق المسيّرات.

ويكتسب نوع السلاح المستخدم أهمية تتجاوز الهجوم نفسه، فالتقرير يشير إلى استخدام مسيرات بعيدة المدى من طراز (شاهد-136)، ويقول إن الدراسات الأمنية التي استند إليها لا تعتبر هذا الطراز من الأنظمة التي كانت شائعة في الترسانات التقليدية للفصائل العراقية، وإن منظومات إيرانية أحدث دخلت العراق خلال حرب 2026.

وهذا الاحتمال، إن تأكد، يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بإعادة توزيع المقاتلين، وإنما بإعادة توزيع الثقة الإيرانية والسلاح النوعي أيضاً، فبدلاً من تسليم أكثر المنظومات حساسية إلى فصيل يضم آلاف العناصر وتتعدد داخله مراكز القرار والاختراق، يمكن وضعها في عهدة مجموعة من عشرة أو عشرين شخصاً، ترتبط مباشرة بضابط إيراني وتعمل خارج السلسلة التنظيمية المعروفة.

هل فقدت طهران ثقتها بالفصائل؟

ويربط التقرير هذا التحول بما كشفته ضربة الجادرية من قدرة خصوم إيران على الوصول إلى اجتماعات وشبكات شديدة الحساسية داخل قلب بغداد، ومن هنا يطرح احتمالاً أمنياً لافتاً، أن تكون طهران قد بدأت تفقد جزءاً من ثقتها بالأمن الداخلي للفصائل التقليدية، وأنها تحاول بناء طبقة عملياتية أصغر وأكثر سرية لحماية أسلحتها النوعية وعملياتها الحساسة من الاختراق.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن إيران تتجه إلى التخلي عن الفصائل العراقية الكبيرة، فهذه التنظيمات ما تزال تمتلك وزناً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً لا يمكن تعويضه بعشرات العناصر السريين، لكن النموذج الجديد، إذا ثبتت تفاصيله، يسمح لطهران بالفصل بين النفوذ السياسي الذي تحتاج فيه إلى الفصائل، والعمل العملياتي السري الذي يمكن أن تعهد به إلى خلايا لا يعرف عنها حتى بعض قادة تلك الفصائل الكثير.

وهذا الفصل يمنح إيران ميزة إضافية تتمثل في صعوبة الإسناد المباشر، فعندما تنفذ جماعة معروفة هجوماً، يمكن للحكومة العراقية الضغط على قيادتها أو مساءلتها، أما حين تطلق المسيرات مجموعة صغيرة جرى انتقاء أفرادها من تنظيمات مختلفة، وتتلقى الأمر عبر حلقة اتصال مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري، فإن سلسلة المسؤولية تصبح أكثر غموضاً.

بغداد تعرف.. لكن هل تستطيع الوصول؟

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير أن جزءاً مهماً من المعلومات المتعلقة بشبكة الحاج حامد لا يأتي من أجهزة استخبارات أجنبية، وإنما من مصادر داخل المؤسسات الأمنية العراقية نفسها.

ويعني ذلك، وفق قراءة التقرير، أن المشكلة أمام بغداد قد لا تكون في نقص المعلومات بقدر ما تكمن في تحويل المعلومات الاستخبارية إلى قدرة تنفيذية، فالدولة ربما تعرف أسماءً وتحركات وشبكات اتصال ومناطق نشاط، لكن الانتقال من مراقبة هذه البنية إلى تفكيكها يضع الأجهزة العراقية أمام مواجهة مختلفة عن المفاوضات السياسية مع قادة الفصائل.

فالحكومة التي تعهدت بحصر السلاح بيد الدولة بعد 30 أيلول/سبتمبر تواجه، وفق هذه المعطيات، احتمال ظهور جيل ثانٍ من السلاح خارج الدولة، يكون أقل عدداً، وأقل ظهوراً، وأكثر ارتباط…