تفكيك

300 مليمتر من المطر في 48 ساعة..
بانكوك تكشف أن المدينة الحديثة لم تعد مصممة للمناخ الذي تعيش فيه

لندن - سدن
28 سبتمبر 2026
300 مليمتر من المطر في 48 ساعة..
بانكوك تكشف أن المدينة الحديثة لم تعد مصممة للمناخ الذي تعيش فيه

لندن - سدن

تراجعت مياه الفيضانات في أجزاء واسعة من بانكوك اليوم بعد يومين من الأمطار الغزيرة، لكن السلطات التايلاندية أعلنت عطلة استثنائية لموظفي الدولة يومي 28 و29 أيلول/سبتمبر في العاصمة وثلاث محافظات محيطة، فيما كانت فرق الطوارئ تحاول تصريف القنوات وإعادة الطرق إلى العمل بعد أن تلقت المدينة قرابة 300 مليمتر من المطر خلال 48 ساعة، وهي كمية تكفي لإغراق شبكة صرف صممت على افتراضات مناخية أقدم وأكثر استقراراً.

والقصة هنا ليست أن بانكوك سيئة في تصريف المطر، فالعاصمة التايلاندية تقع أصلاً على دلتا منخفضة ومعقدة وتواجه هبوطاً أرضياً وضغطاً عمرانياً كبيراً، وإنما أن كثيراً من المدن الكبرى في العالم بنيت شبكاتها على مفهوم إحصائي بدأ يفقد صلاحيته في ان عاصفة شديدة جداً تقع مرة كل خمسين أو مئة عام، فإذا أصبحت هذه العاصفة تأتي كل عقد أو كل عدة سنوات، فإن الأنبوب الذي كان كافياً وفق كتاب الهندسة القديم يتحول إلى اختناق مزمن.

وتفاقم الخرسانة المشكلة، فالمدينة الطبيعية تمتص جزءاً من المطر عبر التربة والنباتات، أما المدينة المغطاة بالإسفلت والأسطح والمواقف فتجمع الماء بسرعة ثم تدفعه كله تقريباً إلى شبكة واحدة، ولذلك فإن كل توسع عمراني لا يصاحبه توسع في قدرة الامتصاص يزيد الضغط حتى لو لم يتغير المطر.

ومن هنا ظهرت فكرة (المدينة الإسفنجية)، وهي ليست شعاراً جمالياً لإضافة الحدائق، بل محاولة لإعادة جزء من وظيفة الأرض إلى النسيج الحضري، عبر الأسطح الخضراء والأرصفة النفاذة والخزانات والحدائق التي يمكن أن تتحول أثناء العاصفة إلى أحواض مؤقتة، ثم تعود بعد ساعات إلى ملاعب ومساحات عامة. والفكرة الأساسية أن المدينة لا تستطيع دائماً إخراج الماء بسرعة، ولذلك يجب أن تتعلم الاحتفاظ به مؤقتاً.

لكن التكيف مع المطر ليس مسألة هندسة فقط، إذ تكشف الفيضانات دائماً خريطة الطبقات الاجتماعية، فالبيت المرتفع والمؤمن عليه ليس كالمنزل الصغير في حي منخفض، وصاحب السيارة يستطيع مغادرة المنطقة بينما قد يعتمد عامل آخر على طريق أو قطار متوقف، ولذلك فإن الكارثة الطبيعية تبدأ من السحاب لكنها لا توزع خسائرها بالتساوي.

وتتكرر الصورة هذا الأسبوع خارج تايلاند أيضاً، فقد قتلت الأمطار والفيضانات والانهيارات الأرضية 56 شخصاً في الهند و14 في نيبال بحسب (رويترز) حتى أمس الأحد، فيما حذرت السلطات من سيول إضافية، أي أن الحدث ليس مجرد (موسم مطير) منفصل عن التغيرات الأوسع في شدة الظواهر الجوية وهشاشة البنية التحتية.

وليس الحل بناء جدار أعلى في كل مرة، فبعض المدن ستحتاج إلى تغيير قواعد البناء، ومنع التوسع في الأراضي الأكثر عرضة، وبعض المناطق قد تحتاج إلى رفع المنازل والبنية الحيوية، فيما تصبح الخرائط المناخية جزءاً من قرار الاستثمار العقاري لا ملحقاً بيئياً، كما أن التأمين سيؤدي دوراً متزايداً في كشف الخطر، فعندما ترفض شركة تأمين تغطية عقار أو ترفع السعر بشدة، تتحول المعلومة المناخية إلى سعر مالي مباشر.

وتكشف بانكوك في النهاية مشكلة تواجه مدناً كثيرة، فالبنية التحتية تعيش أطول من الافتراضات التي بُنيت عليها، والأنبوب الذي يدفن اليوم قد يبقى نصف قرن، والجسر قرناً، والحي ربما أكثر، ولذلك فإن تصميمه وفق مناخ الماضي يشبه قيادة السيارة بالنظر إلى المرآة الخلفية، فالمدينة الحديثة لا تحتاج فقط إلى إصلاح ما ينكسر بعد العاصفة، بل إلى الاعتراف بأن العاصفة نفسها تغيرت.

شارك المقال f 𝕏 in