واشنطن - سدن
كانت صناعة الكهرباء طوال قرن تقريباً مبنية على منطق شديد المركزية، حيث محطة ضخمة تنتج الطاقة، ثم شبكة تنقلها عبر مسافات طويلة إلى مستهلك لا يعرف شيئاً عن لحظة الإنتاج، سوى أن المصباح يعمل حين يضغط الزر، لكن الألواح الشمسية فوق المنازل بدأت تقلب هذه العلاقة، إذ يصبح المستهلك منتجاً جزئياً، ويتحول السطح الذي لم تكن له قيمة طاقية إلى أصل صغير داخل الشبكة.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، التي أوردها تحليل حديث لـ(رويترز)، إلى أن نحو 150 مليون مبنى يمكن أن يمتلك أنظمة شمسية على الأسطح بنهاية 2026، فيما تسعى مبادرات دولية إلى مضاعفة الانتشار حتى 2030.
والسبب لا يرتبط دائماً بالمناخ، ففي دول كثيرة يدفع انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الفاتورة الناس إلى الطاقة الشمسية أسرع مما تفعل الحملات البيئية، وهو ما ظهر بوضوح في باكستان ودول أخرى أصبحت فيها الألواح نوعاً من التأمين الشخصي ضد شبكة غير مستقرة.
لكن نجاح الملايين في إنتاج الكهرباء يخلق مشكلة جديدة للشبكة، لأن النظام الذي صمم لاستقبال الكهرباء في اتجاه واحد، يحتاج الآن إلى إدارة تدفقات متغيرة من آلاف النقاط، فيما يبلغ الإنتاج الشمسي ذروته في منتصف النهار، وقد يبلغ الطلب ذروته في المساء، ولذلك تصبح البطاريات والأسعار الذكية والشبكات الرقمية ضرورية.
كما يظهر سؤال العدالة، فمالك البيت يستطيع تركيب الألواح وخفض فاتورته، بينما المستأجر أو ساكن الشقة لا يملك السطح، وإذا انسحب الأثرياء جزئياً من شراء كهرباء الشبكة، فقد تبقى تكاليف صيانتها موزعة على عدد أقل من المستهلكين الأقل قدرة.
ولهذا فإن الثورة الشمسية الحقيقية ليست مجرد بيع ألواح، بل إعادة تصميم السوق، بحيث يحصل المنتج الصغير على سعر عادل من دون تحميل الشبكة تكاليف لا يدفعها، مع برامج تسمح للمباني العامة والإسكان الاجتماعي والمجتمعات المحلية بالمشاركة.
ويظهر هنا دور البلدية الذي يغيب أحياناً عن سياسات الطاقة الكبرى، الحكومة تستطيع وضع هدف وطني، لكن تصريح تركيب الألواح يصدر محلياً، والمبنى العام محلي، وقواعد التخطيط محلية، ولهذا فإن تحولاً عالمياً يمكن أن يتعطل عند مكتب صغير ينتظر توقيعاً.
لقد كانت الطاقة طوال القرن الماضي شيئاً يأتي من مكان بعيد، أما القرن الحالي فيجعلها جزءاً من العمارة نفسها، وحين يصبح السقف محطة، والبطارية مخزناً، والسيارة جزءاً من الشبكة، لن تتغير طريقة إنتاج الكهرباء فقط، بل ستتغير العلاقة بين المواطن والبنية الأساسية التي يعتمد عليها.