صديق أثق به..
ماذا يحدث عندما يصبح أول شخص نخبره بأسرارنا ليس شخصاً؟

صديق أثق به..
ماذا يحدث عندما يصبح أول شخص نخبره بأسرارنا ليس شخصاً؟

واشنطن سدن

قابلت صحيفة (واشنطن بوست) في مشروع حديث، مجموعة من الأميركيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، في أسئلة شخصية وعاطفية واجتماعية، وكان من بين الأوصاف التي استخدمها بعضهم للعلاقة مع النظام أنه (صديق يمكن الوثوق به)، وهي عبارة تختصر تحولاً يتجاوز استخدام التقنية لكتابة رسالة أو البحث عن معلومة، فالنظام يدخل مساحة كانت حتى وقت قريب مخصصة للصديق أو الشريك أو المعالج أو دفتر اليوميات.

والسبب مفهوم، الآلة متاحة في الثالثة صباحاً، لا تقاطع، ولا تتعب من سماع القصة للمرة العاشرة، ولا تخشى أن تراك في الحفلة غداً بعد أن أخبرتها بما حدث الليلة، وهذه صفات تجعل الإفصاح أسهل، خصوصاً لمن يخشى الحكم الاجتماعي.

لكن (عدم الحكم) ليس حياداً كاملاً، لأن النموذج صمم بطريقة معينة، ويستجيب وفق بيانات وسياسات، كما أن كلام المستخدم قد يخزن أو يعالج وفق شروط الخدمة، أي أن المساحة التي يشعر الإنسان بأنها شديدة الخصوصية تقع في الحقيقة داخل بنية تجارية وتقنية.

وتظهر مشكلة أخرى حين تتحول الأداة من مرآة تساعد الشخص على ترتيب أفكاره إلى مصدر وحيد للتأكيد، فالإنسان يحتاج أحياناً إلى صديق يعارضه، أو يعرف تاريخه، أو يرى لغة جسده، بينما يمكن للنظام أن يميل إلى موافقة صياغة المستخدم إذا لم يصمم بعناية.

وفي المقابل، ليس من الحكمة رفض الظاهرة باعتبارها (علاقة مزيفة) فقط، فدفتر اليوميات ليس إنساناً أيضاً، ومع ذلك ساعد البشر قروناً على التفكير، والفرق أن دفتر اليوميات لا يجيب، والذكاء الاصطناعي يضيف الاستجابة، وهنا تكمن فائدته ومخاطرته معاً.

وقد تصبح المهارة الاجتماعية الجديدة، هي معرفة ما يصلح أن نقوله للآلة وما يجب أن يبقى في دائرة البشر، فالتقنية يمكن أن تساعد على صياغة فكرة أو الاستعداد لمحادثة صعبة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المسؤولية المتبادلة التي تجعل الصداقة علاقة وليست خدمة.

ربما لن يكون المستقبل اختياراً بين أصدقاء بشر وروبوتات، بل مجتمعاً يستخدم فيه الناس الاثنين لأدوار مختلفة، والمهم ألا نخلط بين الراحة التي يقدمها المستمع المتاح دائماً وبين الثقة التي يبنيها إنسان يستطيع أن يتركنا لكنه يختار البقاء.