هم يذهبون ونحن باقون..
مسعود بارزاني يفتح ملفات الحكم والسلاح وما ينتظر العراق

هم يذهبون ونحن باقون..
مسعود بارزاني يفتح ملفات الحكم والسلاح وما ينتظر العراق

لندن - سدن

ليس مسعود بارزاني واحدا من السياسيين الذين صنعتهم العملية السياسية العراقية بعد عام 2003، ولا واحدا من الوجوه التي صعدت مع الحكومات المتعاقبة ثم ارتبط حضورها بمنصب أو تحالف أو دورة انتخابية، الرجل أقدم من النظام السياسي الحالي، وأقدم من كل القوى والشخصيات التي تتصدر المشهد العراقي اليوم، وقد عاش بنفسه المراحل الكبرى التي صنعت العراق الحديث، من سنوات الانقلابات والصراع الكردي مع حكومات بغداد، إلى الانتفاضة والحصار والحكم الذاتي، ثم سقوط نظام صدام حسين، وكتابة الدستور، وتأسيس النظام الاتحادي، وصولا إلى سنوات داعش والاستفتاء والأزمات المتلاحقة بين بغداد وأربيل.

ولهذا، عندما يتحدث مسعود بارزاني عن العراق، فهو لا يتحدث فقط بصفته زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، أكبر الأحزاب الكردية وأكثرها حضورا في معادلة الحكم، بل باعتباره واحدا من آخر قادة الجيل الذي شارك فعليا في صياغة النظام السياسي الذي ولد بعد 2003، ودخل في تفاهماته الكبرى، وعرف رجاله وتحالفاته وأزماته من الداخل.

اختلف الرجل مع حكومات بغداد مرارا، وتحالف معها أحياناً، وخاض مواجهات سياسية قاسية مع قوى عراقية مختلفة، لكنه بقي طوال العقود الماضية، رقما يصعب تجاوزه في أي معادلة تتعلق بكردستان أو بشكل الدولة العراقية وعلاقة مكوناتها ببعضها.

وحتى بعد مغادرته رئاسة إقليم كردستان، لم يغادر مركز القرار الكردي، وظلت مواقفه تتجاوز حدود حزبه، إلى ملفات تشكيل الحكومات ورئاسة الجمهورية والعلاقة مع القوى الشيعية والسنية ومستقبل الفيدرالية والسلاح والعلاقة مع الولايات المتحدة.

ومن هنا اكتسب الحوار الذي أجرته معه قناة (الشرقية) أهمية تتجاوز حدود المقابلة التلفزيونية المعتادة، فالرئيس بارزاني تحدث هذه المرة بصراحة عن تجربة الحزب الديمقراطي داخل الحكومة الحالية، وعن اتفاقات يقول إنها نقضت، وعن أطراف يتهمها بمحاولة إقصاء حزبه، ثم انتقل إلى ملف أكثر خطورة، حيث السلاح خارج الدولة، ومستقبل العراق بعد انسحاب قوات التحالف الدولي، والخشية من أن تعيد البلاد أخطاء سبق أن دفعت ثمنها.

وفي واحدة من أكثر عباراته وضوحا، اختصر بارزاني رؤيته لمشكلة الحكم في العراق بالقول إن القوى السياسية تتفق قبل تشكيل الحكومات، لكن ما إن تتشكل الحكومة حتى "تنسى الاتفاقات وينسف الدستور ويبقى المزاج الشخصي هو من يحكم".

اتفاقات تبرم ثم تختفي

وقال بارزاني، خلال المقابلة التي أجراها معه الإعلامي هشام علي في برنامج (مواجهة)، إن النظام السياسي العراقي قام بعد عام 2003 على مبادئ الشراكة والتوازن والتوافق، إلا أن الممارسة السياسية ابتعدت تدريجيا عن هذه القواعد، في وقت لا تزال فيه قوى مؤثرة، غير مؤمنة فعليا بالنظام الفيدرالي الذي أقره الدستور.

وكشف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني تعرض خلال مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية لما وصفه بـ"مؤامرة قذرة" شاركت فيها أطراف من الإطار التنسيقي وأطراف تمثل المكون السني، قبل أن يقرر الحزب المشاركة في الحكومة استنادا إلى اتفاق سياسي مكتوب.

وأوضح أن الاتفاق وقع من جانب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، ومن جانب الإطار التنسيقي الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، مؤكدا أن الحزب سيكشف للرأي العام تفاصيل الاتفاق وبنوده، بعدما بقي جزء أساسي منه من دون تنفيذ.

وتساءل بارزاني عن جدوى استمرار الحزب الديمقراطي في حكومة لا تحترم الاتفاقات التي قامت عليها ولا تضمن حقوق إقليم كردستان، مؤكدا أن المشاركة في الحكومة لا يمكن أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.

وفي رسالة إلى القوى التي حاولت عزل الحزب الديمقراطي أو تقليص دوره، قال بارزاني إن من يعتقد أنه قادر على إقصاء الحزب "واهم"، مضيفا، في عبارة حملت دلالة سياسية واضحة: "هم يذهبون ونحن الباقون".

كما اعتبر أن حكم العراق في غياب قوى رئيسية مثل التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني يبقى "ناقصا ومشلولا"، محملا الإطار التنسيقي، بوصفه القوة الرئيسية التي تدير معادلة الحكم الحالية، مسؤولية نقض الاتفاقات والتراجع عن التفاهمات التي سبقت تشكيل الحكومة.

السلاح.. العقدة الأخطر

وفي الملف الأمني، بدا بارزاني أكثر تشاؤما، إذ استبعد أن تكون عملية حصر السلاح بيد الدولة سهلة أو قابلة للحسم بمجرد تحديد موعد زمني لها، مشيرا إلى وجود قوى وجهات منتفعة من بقاء السلاح خارج المؤسسات الرسمية وليس من مصلحتها التخلي عنه.

وحذر من أن استمرار هذا الوضع يمكن أن يقود العراق إلى مشكلات أكبر ويدفعه نحو المجهول، مؤكدا أن الأزمة لن تبقى محصورة بطرف أو مكون، لأن الجميع، "في سفينة واحدة"، وإذا غرقت فإن تداعيات ذلك ستطال الجميع.

وفي الوقت نفسه، شدد على أن إقليم كردستان ليس مستعدا لربط مصيره بتصرفات غير مسؤولة تصدر عن قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

لا تكرروا خطأ 2011

أما التحذير الأبرز في حديث بارزاني فتعلق بمستقبل العراق بعد انسحاب قوات التحالف الدولي، إذ أعاد إلى الواجهة تجربة عام 2011، عندما تصاعد الضغط السياسي لإنهاء الوجود العسكري الأميركي، قبل أن يجد العراق نفسه بعد أقل من ثلاثة أعوام أمام انهيار أمني واسع وسيطرة تنظيم داعش على مدن ومحافظات كاملة.

وكشف بارزاني عن نقاشات جرت بين قادة الكتل السياسية في ذلك الوقت، مشيرا إلى أن مسؤولين أمنيين أبلغوا القوى المجتمعة بأن العراق لم يكن يمتلك القدرات الكافية لحماية البلاد بصورة كاملة، لكن المواقف السياسية دفعت نحو إنهاء الوجود الأميركي.

وبعد ظهور داعش عام 2014، قال بارزاني إن القوى السياسية نفسها عادت لطلب تدخل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لإنقاذ العراق من التنظيم.

ومن هنا، حذر من إخضاع ملف التحالف الدولي للمزايدات السياسية مجددا، داعيا إلى التعامل معه من زاوية احتياجات العراق الأمنية الفعلية، لا من زاوية الشعارات.

وبين حديثه عن اتفاقات لم تنفذ، وشراكة تعرضت للاهتزاز، وسلاح يصعب نزعه، وتحالف دولي يخشى من نتائج رحيله، قدم بارزاني في المقابلة صورة شديدة القلق عن المرحلة المقبلة، وهي صورة يراها رجل عاصر أكثر من مرة اللحظة التي بدت فيها أزمات العراق قابلة للاحتواء، قبل أن تتحول لاحقا إلى أزمات أكبر.