لندن - سدن
كشفت صحيفة (لوموند) الفرنسية، عن وجود شركة مسجلة في فرنسا ضمن شبكة تجارية تتهمها السلطات الأميركية بالارتباط بتجارة النفط الإيرانية، في ملف يوضح كيف انتقلت العقوبات على طهران من استهداف ناقلات ومصارف وشركات بعيدة إلى اختبار مباشر لقدرة الحكومات الأوروبية على مراقبة شركات تعمل داخل ولاياتها القانونية.
ويتعلق التحقيق بشركة La Nivernaise de Raffinage الفرنسية، التابعة لشركة Wellbred Trading السويسرية التي تتهمها السلطات الأميركية بالعمل مع إيران، ولم تعرض (لوموند) الاتهامات الأميركية باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً، وإنما تتبعت البنية المؤسسية للشركة وصلتها بالكيان السويسري الذي وضعته واشنطن تحت المجهر، وهي نقطة ضرورية لأن إدراج شركة في رواية عقوبات أميركية لا يساوي إدانة قضائية فرنسية.
وتكتسب القصة أهمية تتجاوز اسم الشركة نفسها، فمنظومة العقوبات على تجارة النفط الإيرانية تعتمد على ملاحقة شبكة شديدة التعقيد من الوسطاء وشركات التداول والناقلات وشركات الواجهة ومقدمي الخدمات المالية، وكلما شددت الولايات المتحدة القيود، أصبحت الشبكات المستخدمة لتسويق النفط أكثر تعقيداً وعابرة للحدود.
وتضع الحالة الفرنسية أوروبا أمام معضلة مألوفة ولكنها أصبحت أكثر إلحاحاً منذ اندلاع الحرب، فالولايات المتحدة تمتلك قدرة واسعة على فرض عقوبات ثانوية بسبب دور الدولار والنظام المالي الأميركي، بينما تمتلك الدول الأوروبية قوانينها ومصالحها الاقتصادية الخاصة، وعندما تستهدف واشنطن شركة أوروبية أو مالكيها، تضطر المصارف وشركات التأمين والشركاء إلى اتخاذ قرارات فورية حتى قبل اكتمال أي مسار قضائي محلي.
وتزداد حساسية الملف بسبب أزمة الطاقة الحالية، فأوروبا تريد في الوقت نفسه خفض الأسعار وتأمين الإمدادات ومنع تدفقات مالية تساعد إيران على تمويل الحرب أو تجاوز العقوبات، وهذه أهداف يمكن أن تتعارض عملياً، فكل برميل يخرج إلى السوق يساعد في زيادة المعروض، لكن كل برميل إيراني يباع خارج القنوات المسموح بها يضعف فاعلية نظام العقوبات.
ويأتي تحقيق (لوموند) بينما تضغط باريس نفسها على الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات عاجلة لتخفيف أسعار الطاقة، وكانت (فايننشال تايمز) قد كشفت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طلب من المفوضية الأوروبية تأجيل تطبيق بعض قواعد انبعاثات الميثان وتسهيل إجراءات تساعد على زيادة إمدادات الوقود، بعد ارتفاع الغاز الأوروبي والنفط بفعل أزمة الشرق الأوسط.
وهذا التزامن يجعل القضية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى فرنسا، فباريس تريد تشديد تطبيق العقوبات حيث توجد مخالفات، لكنها في الوقت نفسه تواجه صناعة ومستهلكين يعانون من ارتفاع تكلفة الطاقة.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن الشبكات التجارية غير المباشرة أصبحت جزءاً مركزياً من قدرتها على تحمل الضغط الاقتصادي، فالعقوبات لا تمنع بالضرورة كل صادرات النفط، إلا إنها تزيد تكلفة بيعها، وتدفع إلى الخصومات والوسطاء وتغيير الملكية والأعلام والمسارات المالية، لذلك فإن المعركة الفعلية لا تدور فقط حول عدد البراميل التي تنتجها إيران، وإنما حول قدرتها على تحويلها إلى عائدات يمكن استخدامها.
وتضيف (لوموند) إلى هذا الملف بعداً أوروبياً داخلياً مهماً، فالحرب المالية مع إيران لم تعد تجري فقط في الخليج أو هونغ كونغ وشبكات الناقلات، بل يمكن أن تمر عبر شركة مسجلة في فرنسا وتابعة لكيان سويسري، وهذا ما يجعل تنفيذ العقوبات اختباراً متزايداً للرقابة التجارية الأوروبية نفسها.