تفكيك

بريطانيا تريد أن تصبح دولة صناعية من جديد..
لكن المصنع الذي رحل قبل أربعين عاماً لا يعود بقرار حكومي

لندن - سدن
28 سبتمبر 2026
بريطانيا تريد أن تصبح دولة صناعية من جديد..
لكن المصنع الذي رحل قبل أربعين عاماً لا يعود بقرار حكومي

لندن - سدن

حين أعلن وزير المالية البريطاني جون هيلي، الاثنين، أن بلاده تريد الدخول في "عصر جديد من التصنيع"، لم يكن يقدم برنامجاً اقتصادياً بقدر ما كان يعلن، من حيث يدري أو لا يدري، نهاية واحدة من أكثر الأفكار رسوخاً في الاقتصاد البريطاني منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي أن بريطانيا تستطيع أن تصبح أكثر ثراء كلما ابتعدت عن المصنع واقتربت من الخدمات والمال والتكنولوجيا، وأن لندن تستطيع أن تقود اقتصاداً حديثاً فيما تنكمش المدن الصناعية القديمة بهدوء، لأن رأس المال والعمال سينتقلان تلقائياً إلى قطاعات أكثر إنتاجية.

لكن أربعة عقود من هذه التجربة، تركت بلداً يملك واحداً من أهم المراكز المالية في العالم، ويملك جامعات وشركات تكنولوجيا وأدوية ودفاع متقدمة، اكتشف خلال الأزمات المتلاحقة أن فقدان القدرة على صنع الأشياء ليس مجرد تحول إحصائي في تركيب الناتج المحلي، بل مسألة تتعلق بالأمن والطاقة وسلاسل التوريد والوظائف وحتى السياسة الداخلية، ولهذا وضعت الحكومة البريطانية الجديدة التصنيع، ولا سيما الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، في قلب استراتيجيتها الاقتصادية، فيما تقول (رويترز) إن الهدف المعلن هو عكس عقود من تراجع حصة الصناعة في الاقتصاد البريطاني، وهي مهمة أصعب كثيراً من بناء مصنع أو تقديم إعفاء ضريبي.

فالتصنيع البريطاني لم يختفِ بالطريقة التي توحي بها صور المصانع المهجورة، فبريطانيا ما تزال قوة مهمة في الطيران والفضاء والأدوية والدفاع والهندسة المتقدمة، كما توجد داخلها شركات تصنع مكونات شديدة التعقيد لا يعرف المستهلك أسماءها لكنها تدخل في منتجات عالمية، إلا أن المشكلة تكمن في الحجم وفي السلسلة المحيطة بالمصنع، إذ يمكن أن تمتلك شركة رائعة تصنع محركاً متقدماً بينما تستورد عشرات المكونات والمواد والآلات التي تحتاج إليها، ويمكن أن تمتلك مختبراً يطور بطارية ثم تجد أن الإنتاج التجاري الضخم انتقل إلى آسيا، أي أن القدرة على الابتكار لا تعني تلقائياً القدرة على تحويل الابتكار إلى صناعة واسعة، ومن هنا تأتي حساسية جملة (إعادة التصنيع)، لأنها لا تعني ببساطة إعادة فتح مصانع الفحم والنسيج التي أغلقت في السبعينيات والثمانينيات، بل بناء صناعات جديدة حول الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والدفاع والروبوتات والبطاريات والمواد المتقدمة.

لكن الصناعة الحديثة لا تختار موقعها بالحنين، وإنما بحسابات شديدة القسوة، وفي مقدمتها الطاقة، وهنا تواجه بريطانيا وأوروبا مشكلة ثقيلة، فقد أعلنت Ineos قبل أيام تعليق العمل في ثلاثة مصانع كيميائية في Hull، مشيرة إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة والصين، وهي فجوة لا يمكن لشعار (صنع في بريطانيا) وحده أن يعالجها، فالمصنع الذي يحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة سيقارن تكلفة الميغاواط والغاز والأرض والضرائب والنقل قبل أن يقارن الخطابات السياسية، وإذا كانت الفاتورة البريطانية أعلى بصورة مستدامة، فإن المستثمر يستطيع أن يحب بريطانيا كثيراً ثم يبني مصنعه في مكان آخر.

ولهذا أصبحت الكهرباء نفسها سياسة صناعية، وليس من قبيل المصادفة أن تدور نقاشات إعادة التصنيع في أوروبا بالتزامن مع سباق بناء الشبكات والطاقة النووية والمتجددة، فالمصنع الحديث يحتاج إلى كهرباء مستقرة ورخيصة أكثر مما يحتاج إلى وزير يلتقط صورة أمامه، كما أن مراكز البيانات التي تريد بريطانيا جذبها تنافس الصناعات التقليدية على الطاقة نفسها، ومن هنا يمكن لنجاح قطاع جديد أن يرفع تكلفة قطاع آخر، إذا لم تتوسع الشبكة والإمدادات بالسرعة المطلوبة، وقد أصبحت هذه المعادلة أكثر وضوحاً في أوروبا بعد أزمات الطاقة المتلاحقة، إذ لم تعد الطاقة بنداً في فاتورة التشغيل فحسب، بل عاملاً يحدد الجغرافيا الصناعية.

أما المشكلة الثانية فهي المهارات، فالمصنع الذي أغلق لا يأخذ معه الآلات فقط، وإنما شبكة من الخبرات تتوزع بين المهندس والفني والمورد وشركة الصيانة والمعهد المهني، وعندما تختفي هذه الشبكة تحتاج سنوات كي تعود، ولهذا لا تستطيع بريطانيا أن تطلب في الوقت نفسه من كل شاب أن يذهب إلى الجامعة ثم تكتشف بعد عقد أنها تحتاج إلى عشرات الآلاف من الفنيين واللحامين ومشغلي الآلات والمهندسين التطبيقيين، وقد عانت بريطانيا، مثل اقتصادات غربية كثيرة، من مكانة اجتماعية أقل للتعليم المهني مقارنة بالجامعة، مع أن الصناعة الحديثة تحتاج إلى مهارات لا تقل تعقيداً عن كثير من الوظائف المكتبية.

ثم تأتي الجغرافيا.. وهي ربما البعد السياسي الأهم في المشروع كله، فجزء من التفاوت البريطاني ليس بين الأغنياء والفقراء فقط، وإنما بين لندن وجنوب شرق إنجلترا من جهة، ومدن ومناطق فقدت قاعدتها الصناعية من جهة أخرى، ولذلك فإن مصنعاً في الشمال لا يحمل القيمة الاقتصادية نفسها لمكتب إضافي في لندن، حتى إذا كانا ينتجان القيمة المالية نفسها، لأن المصنع يستطيع أن يخلق موردين ووظائف محلية ويعيد جزءاً من الثقة إلى مدينة شعرت طويلاً بأنها خارج قصة النمو، وهذه تحديداً النقطة التي جعلت إعادة التصنيع قضية سياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، فالاقتصاد قد يصبح أكثر كفاءة حين تتركز الوظائف الأعلى قيمة في مدن قليلة، لكن الدولة تصبح أقل تماسكاً حين تشعر مناطق كاملة بأنها دفعت ثمن تلك الكفاءة.

ولا تستطيع الحكومة، في المقابل، أن تحمي كل مصنع إلى الأبد، لأن السياسة الصناعية يمكن أن تتحول بسهولة إلى نظام مكلف لدعم شركات لا تستطيع المنافسة، ولذلك يصبح السؤال ليس "أي صناعة نريد الاحتفاظ بها؟" فقط، وإنما أين تملك بريطانيا ميزة حقيقية يمكن أن تبني حولها سلسلة واسعة، والدفاع أحد هذه المجالات، والطيران والأدوية والعلوم الحيوية والذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مجالات أخرى، لكن النجاح يحتاج إلى ربط البحث بالتصنيع ورأس المال بالمصنع والمشتريات الحكومية بالشركة المحلية من دون إغلاق السوق أمام المنافسة.

كما لا يمكن تجاهل الاتحاد الأوروبي، فالصناعة البريطانية لم تكن قبل Brexit جزيرة منفصلة، وإنما جزء من سلسلة إنتاج أوروبية تعبر فيها القطعة الحدود أكثر من مرة قبل أن تصبح سيارة أو طائرة، ولذلك فإن كل احتكاك جمركي أو تنظيمي يضيف تكلفة إلى المصنع البريطاني، وقد حذرت صناعة السيارات البريطانية أخيراً من أن استبعاد المملكة المتحدة من بعض برامج «Made in Europe» الأوروبية يمكن أن يضعف قطاعاً تتجاوز قيمة تجارته السنوية مع الاتحاد الأوروبي 80 مليار يورو، وهي إشارة إلى أن السيادة الصناعية في اقتصاد متداخل لا تعني الاكتفاء الذاتي، بل القدرة على أن تكون جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في شبكة صناعية أكبر.

ومن هنا فإن عودة الصناعة البريطانية، إن حدثت، لن تبدو مثل عودة بريطانيا الصناعية القديمة، فلن تعود مداخن مانشستر بالطريقة نفسها، ولن يعمل ربع السكان في المصانع، ولن تصبح لندن أقل أهمية، بل ستنشأ صناعة أقل عدداً من العمال وأكثر كثافة في رأس المال والروبوتات والبرمجيات، وهذا يعني أن قياس النجاح بعدد الوظائف وحده سيكون مضللاً، فالمصنع الحديث قد ينتج أضعاف مصنع السبعينيات بعدد أقل بكثير من الموظفين، لكن قيمته تأتي من الإنتاجية والصادرات وسلسلة الموردين والأمن الاستراتيجي.

لقد احتاجت بريطانيا عقوداً كي تصبح اقتصاداً تقوده الخدمات، ولذلك لن تصبح دولة صناعية من جديد خلال دورة انتخابية واحدة، غير أن مجرد عودة المصنع إلى قلب النقاش تكشف تحولاً فكرياً مهماً، فالغرب الذي أمضى ثلاثين عاماً يقول إن المكان الذي يصنع فيه المنتج لا يهم ما دام السوق يوفره بأرخص سعر، اكتشف أن المكان يهم حين تقع حرب أو جائحة أو أزمة طاقة أو نزاع تجاري، فالمصنع لم يعد مجرد مبنى ينتج سلعة، بل عاد ليصبح جزءاً من تعريف الدولة لقدرتها على حماية اقتصادها، ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للاستراتيجية البريطانية لن يكون عدد المليارات التي تعلنها الحكومة، بل عدد الشركات التي تجد بعد عشر سنوات أن صنع الشيء في بريطانيا قرار اقتصادي منطقي لا واجباً وطنياً مكلفاً.

شارك المقال f 𝕏 in