لندن – سدن
في شمال لندن، بين الأشجار الكثيفة والمنحدرات التي تبدو في بعض الأيام أقرب إلى أطراف غابة منها إلى مدينة يسكنها نحو تسعة ملايين إنسان، توجد أرصفة محطة قطار لا يصل إليها قطار، وسلالم لم تعد تقود إلى مسافر، وأقواس غطتها النباتات، وأنفاق أصبح بعض سكانها الحاليين من الخفافيش المحمية، وهي بقايا محطة هاي جيت (Highgate station ) القديمة التي تقدم واحدة من أجمل الحكايات اللندنية عن مشروع نقل لم يكتمل، ثم عن البنية التحتية التي توقفت عن خدمة الإنسان فبدأت الطبيعة ببطء في استعادتها.
وقد أعاد موقع (خبايا لندن) أخيراً تسليط الضوء على الموقع والجولات التي ينظمها متحف المواصلات اللندنية ضمن برنامج (خفايا لندن)، لكن قيمة Highgate تتجاوز غرابة محطة مهجورة، إنها قطعة من تاريخ لندن تكشف كيف تغيرت فكرة المدينة نفسها من التوسع الحديدي إلى مترو الأنفاق ثم إلى إعادة اكتشاف الطبيعة داخل الخرسانة.
بدأت المحطة قبل ظهور شبكة الانفاق اللندنية، بالشكل الذي نعرفه اليوم، إذ افتتحت Highgate عام 1867 على خط Great Northern Railway الذي ربط حي Finsbury Park بالمناطق الشمالية، وكانت القطارات البخارية تمر فوق الأرض عبر تضاريس شمال لندن، في زمن كانت فيه السكك الحديدية نفسها محرك التوسع العمراني، فالمحطة لا تخدم الحي الموجود فقط، وإنما تصنع حولها حياً جديداً، لأن المسافة التي كانت تبدو بعيدة عن مركز لندن تصبح قابلة للسكن حين يستطيع الموظف الوصول إلى عمله بالقطار.
ومع نمو المدينة، جاءت في الثلاثينيات خطة طموحة عرفت باسم Northern Heights، كان هدفها دمج عدد من خطوط السكك الموجودة في شبكة Northern line الكهربائية، وبناء أنفاق ومحطات جديدة وربط الضواحي بصورة أعمق بمترو لندن. وكانت محطة Highgate جزءاً محورياً من المشروع، إذ شيدت محطة عميقة تحت الأرض وبدأت أعمال تحويل الخطوط السطحية، وكان من المفترض أن تصبح المنطقة عقدة تربط العالمين القديم والجديد.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وكما حدث في مشروعات بنية تحتية كثيرة، غيرت الحرب الأولويات والمال والعمال والمواد، وتأجلت أجزاء من الخطة، ثم تغيرت لندن نفسها بعد الحرب، فقد ارتفع استخدام الحافلات والسيارات، وتغيرت حسابات الجدوى، ولم يعد استكمال كل الخطوط التي تخيلها مخططو الثلاثينيات ضرورياً أو اقتصادياً.
وقد افتتحت محطة Highgate الحالية تحت الأرض عام 1941 ضمن Northern line، بينما استمرت القطارات على الأرصفة القديمة فوقها فترة، لكن الخدمة السطحية تقلصت ثم توقفت نهائياً أمام الركاب في الخمسينيات، وبقيت أجزاء من المسار تستخدم لأغراض أخرى لبعض الوقت قبل أن تدخل المحطة القديمة في ذلك النوع الغريب من الموت الحضري الذي لا يحدث فجأة؛ لا يهدم المكان ولا يعمل، بل يبقى.
وهنا تبدأ المرحلة الأجمل..
فالمدينة التي توقفت عن إرسال القطارات بدأت ترسل البذور والمطر والطيور والحشرات، وظهرت النباتات بين الحجارة وعلى المنحدرات، وتحولت المسارات التي كانت تحتاج إلى فرق دائمة لإزالة الأعشاب إلى ممرات خضراء، فيما وجدت الخفافيش في الأنفاق والمناطق الهادئة بيئة مناسبة، حتى أصبح الموقع اليوم موطناً محمياً لبعضها.
وهذه ليست حالة منفردة، فخطوط السكك المهجورة تستطيع أن تصبح ممرات بيئية لأن بنيتها الخطية تربط مناطق خضراء كانت ستبقى منفصلة، وهو ما يجعلها ذات قيمة تتجاوز الحنين الصناعي، فالقطار كان يحتاج إلى طريق متصل عبر المدينة، والحيوان يحتاج بدوره إلى ممر متصل يستطيع الحركة خلاله، وبذلك تتحول البنية المصممة لحركة الإنسان إلى بنية لحركة الطبيعة بعد رحيله.
ومنطقة Highgate تحديداً تجعل التحول أكثر وضوحاً بسبب قربها من مساحات خضراء واسعة مثل Highgate Wood وQueen’s Wood وParkland Walk، وهو مسار للمشي والطبيعة يتبع أجزاء من خط السكك السابق بين Finsbury Park وAlexandra Palace. وهكذا أصبح جزء من الشبكة التي كان يفترض أن تحمل قطارات Northern Heights يحمل اليوم العدائين والمشاة والثعالب والطيور.
ولعل أكثر ما يميز الموقع أن القديم والجديد لا يوجدان متجاورين فقط بل فوق بعضهما، ففي الأسفل تمر قطارات Northern line كل دقائق محملة بآلاف الركاب، وفوقها توجد محطة صامتة من شبكة أخرى، أي أن لندن الحديثة تعمل حرفياً تحت شبح لندن التي كان يمكن أن تكون.
وهذا أحد أسباب جاذبية برنامج Hidden London الذي يديره متحف المواصلات اللندنية، فالمدينة التي تبدو شديدة الاستخدام تخفي كمية كبيرة من الفراغات الناتجة عن تغير الشبكة، من محطات أغلقت إلى أنفاق وملاجئ ومنصات لم تعد مطلوبة، وHighgate تختلف عن مواقع مثل Down Street أو Aldwych لأنها ليست مجرد غرفة تاريخية مغلقة تحت شارع مزدحم، بل مكان استطاعت فيه الطبيعة أن تدخل القصة بنفسها.
ويكشف ذلك أيضاً أن مفهوم الأرض المهجورة مضلل، فما يبدو للإنسان أرضاً بلا وظيفة قد يكون شديد النشاط بيئياً، فالسكك المتروكة لا تحتاج إلى أسمدة أو ري أو تصميم حدائق، ومع مرور الوقت تنشأ فيها نباتات وملاجئ ومسارات للكائنات، ولهذا أصبحت بعض المدن تتعامل مع البنية المهجورة بوصفها فرصة لإعادة الطبيعة لا مشكلة ينبغي تنظيفها فوراً.
وقد حولت نيويورك خطاً مرتفعاً مهجوراً إلى High Line مصمم بعناية، فيما تملك باريس Petite Ceinture، أما لندن فتحتفظ بأجزاء من سككها القديمة في صورة أكثر خشونة وأقل تدخلاً، وهو ما يمنحها قيمة مختلفة، فالطبيعة هنا ليست ديكوراً موضوعاً حول سكة قديمة، بل قوة فعلية بدأت تفكك الحدود بين المنشأة والغابة.
ومع ذلك، لا يمكن فتح كل الموقع بحرية، فسلامة الأنفاق وحماية الحياة البرية تفرضان قيوداً، ولذلك تتيح جولات Hidden London الوصول المنظم إلى أجزاء لا يستطيع المارة دخولها، مع خوذات ومعدات سلامة وشرح تاريخي، وهذه المفارقة لطيفة بدورها، فهي تحتاج اليوم إلى مرشد وملابس حماية كي تمشي في مكان كان آلاف الركاب قبل سبعين عاماً يدخلونه بتذكرة قطار عادية.
كما أن الخفافيش تضع حدوداً على رغبة الإنسان في تحويل كل أثر إلى تجربة سياحية، إذ لا يمكن أن تصبح حماية التاريخ سبباً لإزعاج الحياة التي احتلت المكان بعده، وهنا تتقاطع مهمتان كانتا تبدوان منفصلتين، هما الحفاظ على التراث الصناعي والحفاظ على الطبيعة.
ويمكن النظر إلى Highgate أيضاً باعتبارها نصباً لمستقبل لم يحدث، فالمدينة مليئة بآثار الماضي الذي حدث فعلاً، لكن المحطة القديمة تحمل آثار خطة كانت ستعيد تشكيل شمال لندن ثم توقفت، أي أن الأرصفة لا تذكرنا بقطارات اختفت فقط، بل بقطارات كان يفترض أن تستمر ولم تفعل.
وهذا النوع من الأماكن مهم لأن تاريخ المدينة لا يتكون من القرارات الناجحة وحدها، الطرق التي لم تبن، والمحطات التي أُغلقت، والخطط التي ألغيت كلها ساهمت في تشكيل لندن الحالية بقدر ما فعلت المشاريع المكتملة.
ولو اكتمل Northern Heights كما خطط له، ربما كانت أنماط السكن والحركة في أجزاء من شمال لندن مختلفة اليوم، وربما لم يظهر Parkland Walk بالشكل نفسه، وربما لم تجد الخفافيش هذا المأوى، فقرار نقل اتخذته حكومة قبل قرابة قرن انتهى، عبر سلسلة لم يقصدها أحد، إلى قرار بيئي في القرن الحادي والعشرين.
وهنا تكمن روعة Highgate الحقيقية، فهي لا تقول إن الطبيعة انتصرت على المدينة، فالمدينة ما تزال تحيط بها والقطارات تمر أسفلها، ولا تقول إن البنية القديمة عديمة الفائدة، لأن المسار وجد وظيفة أخرى، إنها تقول شيئاً أكثر لندنية، بإن المدينة لا تتخلص دائماً من طبقاتها السابقة، بل تبني حولها وفوقها وتحتها، ثم تترك لبعضها فرصة أن يصبح شيئاً لم يخطط له أحد.
ففي لندن توجد محطات تحولت إلى مطاعم، ومستودعات أصبحت شققاً، ومحطات كهرباء أصبحت متاحف، لكن Highgate اختارت، أو ربما اختارت الطبيعة عنها، مساراً أقل تجارياً، هو ان المحطة لم تصبح فندقاً ولا مركز تسوق، بل غابة صغيرة لها أرصفة.
وبينما تعبر قطارات Northern line تحت الأرض كل بضع دقائق، يبقى فوقها عالم صامت من الطوب والطحالب والأشجار والخفافيش، وكأن المدينة احتفظت لنفسها بطابق لا يحتاج إلى الركاب، وهذا ربما أحد أجمل أسرار لندن، فليست كل الأماكن التي توقف الإنسان عن استخدامها أماكن ماتت، بعضها يبدأ حياة أخرى بمجرد أن نغادره.