لندن - سدن
حين توفيت فيفيان ويستوود في 29 ديسمبر/كانون الأول 2022، عن 81 عاماً، لم تتعامل الصحافة البريطانية مع رحيلها بوصفه وفاة مصممة أزياء شهيرة فحسب، فقد كانت المرأة التي بدأت حياتها مدرسة ابتدائية، ثم أدارت متجراً صغيراً في كينغز رود بلندن، قد أصبحت خلال نصف قرن واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في الثقافة البريطانية الحديثة، حتى إن متحف (فيكتوريا وألبرت)، الذي يحتفظ اليوم بعدد كبير من أعمالها، يضعها في منطقة يصعب تعريفها بكلمة واحدة: تقليدية ومتمردة ومعاصرة في الوقت نفسه، فيما وصفتها آنا وينتور، رئيسة تحرير (فوغ) الأميركية، بعد وفاتها بأنها موهبة استثنائية ومصممة مبتكرة ومؤثرة، وقالت إن ويستوود كانت تفهم على نحو عميق ذلك الخليط البريطاني الغريب من التاريخ والطبقة والجنس والرومانسية والتقاليد، ثم تحوله إلى ملابس لا تشبه ملابس أحد آخر.
ولدت فيفيان إيزابيل سواير عام 1941 في قرية تينتويستل في ديربيشاير، لأسرة بعيدة تماماً عن عالم الأزياء الراقية، فقد كان والدها عاملاً في مصنع، وعملت والدتها في النسيج، وحين كانت في السابعة عشرة انتقلت الأسرة إلى منطقة هارو في لندن، فدرست لفترة قصيرة في مدرسة للفنون، قبل أن تتركها وتتدرب للعمل في التعليم، ثم أصبحت مدرسة ابتدائية، وتزوجت ديريك ويستوود عام 1962، وهو الزواج الذي أخذت منه الاسم الذي سيصبح لاحقاً علامة تجارية عالمية.
لكن حياتها بدأت تتغير جذرياً بعد انفصالها عنه ولقائها مالكوم مكلارين، طالب الفنون الذي سيصبح لاحقاً مدير فرقة (سكس بيستولز)، وشريكها الشخصي والمهني خلال السنوات التي ستولد فيها حركة البانك البريطانية.
ويشير متحف (فيكتوريا وألبرت) إلى أن لقاء مكلارين منح مثالية ويستوود القلقة اتجاهاً عملياً، وفي الوقت نفسه أتاح لها تحويل موهبتها الطبيعية في الخياطة وصناعة الملابس إلى لغة ثقافية كاملة.
وفي عام 1971 ظهرت المحطة التي ستغير حياتها وتترك أثراً في تاريخ لندن الثقافي: متجر صغير في الرقم 430 من كينغز رود في تشيلسي، بدأ باسم Let It Rock، وكان يبيع الملابس المرتبطة بثقافة Teddy Boys وموسيقى الروك أند رول، ثم تغير اسمه وهويته أكثر من مرة، إلى Too Fast to Live, Too Young to Die، قبل أن يصبح عام 1974 (SEX)، وهو الاسم الذي صنع شهرته الحقيقية.
لم يكن المتجر يشبه محال الأزياء التقليدية في لندن، كان يبيع الملابس الجلدية وأزياء الفيتيش والقمصان ذات الصور والشعارات المستفزة والأحذية ذات المسامير والأبازيم، وتحول تدريجياً إلى ملتقى لشباب يبحثون عن شكل مختلف من الحياة، ومن بينهم موسيقيون سيصبح بعضهم لاحقاً أعضاء في فرقة (سكس بيستولز). ويذكر متحف V&A أن ويستوود ومكلارين أرادا للملابس أن تحمل روح (الاضطراب الاجتماعي)، بحيث تخرج الأشياء التي كانت محصورة في ثقافات هامشية إلى الشارع البريطاني علناً.
وكان غلين ماتلوك، الذي أصبح لاحقاً عازف الباس في (سكس بيستولز)، واحداً ممن عملوا في المتجر، وقد روى بعد وفاة ويستوود كيف دخل عالمها شاباً عادياً يبحث عن عمل، ثم وجد نفسه وسط بيئة مختلفة تماماً، وقال إن ويستوود كانت حادة وصريحة، وإن من يقع في جانبها الخطأ يعرف ذلك فوراً، وروى كيف اتهمته مرة بأنه يحاول (فرض رقابة) عليها عندما تأخر في تنفيذ تصميم صادم طلبت منه طباعته، وفي المتجر نفسه بدأ ستيف جونز وبول كوك بالتردد، ثم تشكلت الشبكة البشرية التي ستخرج منها الفرقة الأشهر في تاريخ البانك البريطاني.
لم تخترع ويستوود البانك وحدها، ولم يكن مكلارين وحده مهندس تلك الحركة كما توحي بعض الروايات اللاحقة، لكن الاثنين لعبا دوراً حاسماً في منحها صورتها المرئية.
كانت بريطانيا في منتصف السبعينيات تعاني أزمات اقتصادية وبطالة واضطرابات اجتماعية وشعوراً بالتراجع، وظهر جيل لا يجد نفسه في المؤسسات القديمة ولا في لغة الطبقة السياسية، فجاءت (سكس بيستولز) لتمنح الغضب صوتاً، بينما منحت ويستوود الغضب شكله: سراويل الـBondage، والسلاسل، والجلود، والقمصان الممزقة، ودبابيس الأمان، والصور التي تعمدت تجاوز حدود الذوق العام، وقد لخصت (الغارديان) أثرها بعد وفاتها بعبارة دقيقة: إذا كانت (سكس بيستولز) قد أرت العالم كيف يبدو صوت البانك، فإن ويستوود أرت العالم كيف يبدو البانك نفسه.
وكانت ويستوود نفسها أكثر تعقيداً من الصورة التي التصقت بها لاحقاً، ففي إحدى مقابلاتها قالت إن مكلارين وهي كانا، على نحو ساخر، ربما أكثر الناس استقامة داخل ذلك المشهد، كما كانت ترفض كثيراً من الروايات التي تراكمت حول البانك بمرور الزمن، لكنها لم تنكر أبداً أن هدفها كان الاستفزاز، بل قالت في مناسبة أخرى إنها حاولت باستمرار دفع الناس إلى التفكير من جديد بأنفسهم، والتحرر مما وصفته بالبرمجة والقيود التي يحملونها.
لكن أهم ما فعلته ويستوود جاء – ربما - عندما أدركت أن البانك لا يستطيع أن يستمر إلى الأبد.
فمع تفكك (سكس بيستولز) وتحول البانك نفسه من حركة هامشية إلى سلعة تجارية، شعرت ويستوود بخيبة أمل، وكانت تقترب من الأربعين، فبدأت تبحث عن طريق آخر.
وفي 1981 قدمت مع مكلارين أول مجموعة أزياء لهما على منصة عرض، وحملت اسم Pirate، وكانت نقطة تحول حقيقية، بدلاً من الملابس السوداء الممزقة، ظهرت سراويل واسعة وقمصان فضفاضة وأحزمة وأشكال مستوحاة من صور القراصنة والقرنين السابع عشر والثامن عشر، وانتقلت أفكار المجموعة سريعاً إلى الموسيقى والثقافة الشعبية، وأصبحت جزءاً من الشكل الذي عرف لاحقاً بـ(الرومانسيين الجدد).
ثم جاءت Buffalo Girls أو Nostalgia of Mud عام 1982، وبعدها Witches في 1983، وهي آخر مجموعة كبيرة تعاونت فيها مع مكلارين، قبل أن ينفصل طريقاهما.. ومنذ ذلك الوقت بدأت فيفيان ويستوود التي يعرفها عالم الموضة الراقية تظهر بوضوح أكبر، لم تعد تستمد مادتها الأساسية من الشارع وحده، بل من المتاحف واللوحات والملابس التاريخية والخياطة الإنكليزية والفرنسية، وأصبحت تفعل بالتاريخ ما فعلته سابقاً بالبانك، فتأخذ الشيء المألوف، ثم تحركه من مكانه حتى يصبح جديداً.
في 1985 قدمت مجموعة Mini-Crini، فاختصرت الكرينولين الفيكتوري الضخم إلى تنورة قصيرة ذات شكل جرسي، ثم أعادت في أواخر الثمانينيات الكورسيه من الملابس الداخلية إلى الخارج، وحولت ما كان أداة تاريخية لضبط جسد المرأة إلى قطعة تعرض علناً، كما عادت إلى تقاليد سافيل رو والخياطة البريطانية في مجموعة Harris Tweed عام 1987، قبل أن تقدم Time Machine في العام التالي.
ويصف V&A ويستوود بأنها كانت "ناهبة للماضي بلا خجل"، لكنها كانت تفعل ذلك بعد بحث دقيق، تأخذ شكلاً قديماً يمتلك، كما قالت هي، "حيوية لم تُستغل"، ثم تضع فوقه أفكارها الخاصة حتى ينتج شيء جديد.
وجاء الاعتراف الرسمي سريعاً.. ففي عامي 1990 و1991 منحها مجلس الأزياء البريطاني جائزة مصممة الأزياء النسائية للعام، بعدما ظلت سنوات تتهم بأن أعمالها غير تجارية، ثم حصلت عام 1992 على وسام الإمبراطورية البريطانية OBE، وكانت لحظة تسلم الوسام من الملكة إليزابيث الثانية واحدة من الوقائع التي رسخت شخصيتها في الذاكرة الشعبية البريطانية، فقد حضرت إلى قصر باكنغهام بتنورة رمادية أنيقة، ثم كشفت أمام المصورين، عندما دارت بتنورتها، أنها لم تكن ترتدي ملابس داخلية، فتحولت المناسبة الملكية الرسمية إلى مشهد ويستوودي بامتياز، حيث المؤسسة البريطانية تمنحها وساماً، وهي تجد، حتى في تلك اللحظة، طريقة صغيرة لمشاغبتها.
وفي 1993 صنعت واحدة من أشهر لحظات عروض الأزياء في التسعينيات عندما ارتدت نعومي كامبل حذاء Super Elevated Gillie ذا المنصة الهائلة والكعب الذي بلغ ارتفاعه نحو 30.5 سنتيمتراً، فسقطت كامبل على المنصة ثم انفجرت ضاحكة، وتحولت الصورة إلى واحدة من أشهر صور الموضة في ذلك العقد. والحذاء نفسه موجود اليوم ضمن مقتنيات V&A، بوصفه مثالاً على ولع ويستوود بالمبالغة وباختبار الحدود بين الجمال والغرابة وعدم الاستقرار.
وخلال التسعينيات أصبحت ويستوود أكثر حضوراً عالمياً، لكنها ازدادت تعلقاً بالتاريخ البريطاني بدلاً من الابتعاد عنه، فاستخدمت التارتان الاسكتلندي في Anglomania عام 1993، واستعادت الأثواب والانتفاخات والأشكال المستمدة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخلطت ما وصفته بالتقاليد الإنكليزية في الخياطة مع الحس الفرنسي في البناء والنسب، وفي 2004 خصص متحف فيكتوريا وألبرت في لندن معرضاً استعادياً كبيراً لمسيرتها، وهو انتقال بالغ الدلالة لامرأة بدأت قبل ثلاثة عقود تبيع الملابس الصادمة في متجر صغير، فالأشياء التي صنعتها لتستفز المؤسسة أصبحت معروضة داخل واحدة من أهم مؤسسات الثقافة البريطانية.
أما علاقتها بالمؤسسة نفسها فظلت تحمل مفارقتها القديمة، حصلت لاحقاً على لقب «Dame»، وأصبحت واحدة من أشهر الوجوه البريطانية في العالم، لكنها لم تتحول إلى سيدة أرستقراطية هادئة تحرس تاريخها، بل ازدادت انخراطاً في القضايا العامة، خصوصاً تغير المناخ والاستهلاك والحريات المدنية، وظهرت في حملات لمنظمة (غرينبيس)، وتحدثت مراراً ضد الاستهلاك المفرط، واستخدمت عروض الأزياء والمنصات الإعلامية لتوجيه رسائل سياسية وبيئية، حتى أصبحت مفارقة أن واحدة من أشهر صانعات الموضة في العالم تطالب الناس بشراء ملابس أقل جزءاً من شخصيتها العامة.
وفي عام 2015 قدمت واحداً من أكثر احتجاجاتها شهرة عندما قادت دبابة مدرعة إلى منزل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون احتجاجاً على استخراج الغاز بطريقة التكسير الهيدروليكي، فلم تكن تلك حركة دعائية منفصلة عن تاريخها، فالمرأة التي استخدمت قميصاً مستفزاً في السبعينيات لتوصيل فكرة أصبحت بعد أربعين عاماً تستخدم دبابة، لكن المنطق بقي نفسه: إذا أردت أن يسمع الناس الرسالة، اصنع صورة لا يستطيعون تجاهلها.
وكان هذا الإصرار على تحويل الموقف إلى صورة أحد أسباب بقاء ويستوود حاضرة في الثقافة البريطانية إلى ما بعد عصر البانك بكثير، فهي لم تكن مجرد مصممة ناجحة أصبحت ناشطة في شيخوختها، بل كانت ترى منذ البداية أن الملابس نفسها موقف، وأن ما يرتديه الإنسان يستطيع أن يقول شيئاً عن الطبقة والسلطة والجنس والتاريخ والسياسة، ولهذا وصفها V&A بأنها "أشهر متمردة في عالم الموضة" وأحد أكبر المؤثرين في التصميم العالمي، بينما قالت آنا وينتور بعد رحيلها إن معرض Anglomania الذي أقامه معهد الأزياء في متحف (المتروبوليتان) للاحتفاء بالموضة البريطانية كان، في جوهره، احتفاء بويستوود نفسها، لأنها كانت «في قلب كل شيء».
وحين توفيت في لندن في ديسمبر/كانون الأول 2022، كانت المسافة بين بدايتها ونهايتها تبدو كأنها تلخص شيئاً من بريطانيا نفسها، كابنة عامل مصنع وناسجة قطن، أصبحت مدرسة، ثم انفصلت عن زوجها، وعاشت مع طالب فنون، وفتحت معه متجراً غريباً في كينغز رود، وساعدت في صناعة الصورة المرئية لأكثر حركات الشباب البريطانية تمرداً، ثم دخلت باريس وميلانو، وحصلت على أوسمة الدولة التي أمضت حياتها في استفزازها، ودخلت ملابسها المتاحف التي كانت تستعير من مقتنياتها أفكارها، بينما بقي اسمها مرتبطاً بلندن أكثر من ارتباطه بأي عاصمة أخرى.
وربما كانت آنا وينتور الأدق في تفسير سرها عندما قالت إن ويستوود فهمت الخليط الذي يصنع بريطانيا: التاريخ والطبقة والجنس والرومانسية والتقاليد، لكنها لم تكتف بفهم ذلك الخليط، بل أضافت إليه عنصراً كان ضرورياً لكي تصبح فيفيان ويستوود: عدم الاحترام الكافي للقواعد.
ولهذا تبدو عبارة (أم البانك) صحيحة وناقصة في الوقت نفسه، صحيح أنها ساعدت في منح البانك ملابسه وصورته، لكن حياتها المهنية استمرت عقوداً بعد أن أصبح البانك نفسه جزءاً من التاريخ، وفي تلك العقود أثبتت أنها لم تكن ابنة حركة واحدة، بل صاحبة طريقة كاملة في التعامل مع الثقافة، كانت تقرأ الماضي جيداً، ثم تسرق منه ما يعجبها، وتعيد قصه وخياطته، وتضيف إليه شيئاً من لندن وشيئاً من السخرية وجرعة محسوبة من الفضيحة.
فيفيان ويستوود لم تدخل تاريخ بريطانيا لأنها صممت ملابس غريبة، بل لأنها جعلت الملابس واحدة من اللغات التي تكلمت بها بريطانيا عن نفسها، وعن طبقاتها وتناقضاتها وغضب شبابها وولعها بتقاليدها وقدرتها الغريبة على تكريم الذين أمضوا حياتهم في السخرية منها.