(واشنطن بوست) و(وول ستريت جورنال):
الأميركيون يغادرون العراق.. والاختبار ينتقل إلى سلاح الفصائل

(واشنطن بوست) و(وول ستريت جورنال):
الأميركيون يغادرون العراق.. والاختبار ينتقل إلى سلاح الفصائل

واشنطن - سدن

مع اكتمال خروج القوات الأميركية من العراق، لا تبدو الصحافة الأميركية منشغلة كثيرا بمشهد الجنود وهم يغادرون قواعدهم بقدر انشغالها بالسؤال الذي يبدأ بعد مغادرة آخر جندي: من سيملأ المساحة الأمنية والسياسية التي يتركها الأميركيون، وهل تستطيع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي فرض سلطتها على الفصائل المسلحة، أم أن إيران ستعيد ترتيب أدوات نفوذها داخل العراق بطريقة أكثر تعقيدا وأقل ظهورا؟

هذا السؤال تصدر تقريرين جديدين نشرتهما، خلال الساعات الأخيرة، صحيفتا (واشنطن بوست( و)وول ستريت جورنال(، وقدمتا من خلالهما تفاصيل تتجاوز كثيرا الإعلان الرسمي عن انتهاء الوجود العسكري الأميركي، لتدخل إلى قلب المعركة المقبلة داخل العراق: حصر السلاح، وتفكيك الفصائل، والخلايا المسلحة الصغيرة التي تقول مصادر عراقية وأميركية إن طهران بدأت الاعتماد عليها بصورة متزايدة بعيدا عن الهياكل التقليدية للفصائل الكبيرة.

وقالت (واشنطن بوست) ان القوات الأميركية المتبقية تغادر العراق بعد أكثر من عقدين من الوجود العسكري الذي بدأ بالغزو عام 2003، وبذلك ينتهي من الناحية العسكرية المباشرة، الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2024، والذي نص على إنهاء وجود القوات الأميركية في العراق بحلول عام 2026.

لكن المعلومة الأكثر أهمية في تقرير الصحيفة لا تتعلق بالانسحاب نفسه، فبحسب مسؤول كبير في مكتب رئيس الوزراء العراقي تحدث إلى الصحيفة، بدأ الحرس الثوري الإيراني بتطوير أسلوب عمله داخل العراق، من خلال التركيز على خلايا أصغر حجما تعمل خارج شبكات الفصائل المسلحة الكبيرة، في محاولة لجعل اكتشافها وردعها أكثر صعوبة، ويربط المسؤول العراقي بين ظهور هذه الخلايا وبين الضغوط الحكومية المتزايدة لنزع سلاح الفصائل، إذ يمكن للمجموعات الصغيرة أن توفر بديلا تنظيميا يسمح باستمرار النشاط المسلح حتى إذا دخلت التنظيمات الأكبر في ترتيبات التسليم أو التفكيك.

وضرب المسؤول مثالا بعصائب أهل الحق، قائلا إن الجماعة سلمت، وفقا للتقديرات الحكومية، نحو نصف ترسانتها فقط، فيما قالت قياداتها إن بقية الأسلحة أصبحت في حوزة عناصر منشقة أسست تنظيما جديدا.

وبحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة عن المسؤول العراقي، يحصل التنظيم الجديد على دعم إيراني كبير، وأقام صلات مع الحوثيين في اليمن، كما ارتبط اسمه بهجمات حديثة على منشآت للطاقة في السعودية.

أما (وول ستريت جورنال)، فقد ذهبت في تقريرها الجديد إلى زاوية موازية، قائلة إن خروج الولايات المتحدة يأتي في وقت أعادت فيه إيران، بحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين وخبراء دفاعيين تحدثوا إلى الصحيفة، زيادة دعمها للجماعات المسلحة العراقية بعد تراجع مؤقت في تدفق الأسلحة خلال المراحل الأولى من الحرب الأميركية الإيرانية.

وتقول الصحيفة إن تدفق الأسلحة الخفيفة والطائرات المسيرة والصواريخ القصيرة المدى من إيران تباطأ في البداية عندما ركزت طهران مواردها على المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، لكنه عاد للارتفاع خلال الصيف.

ونقلت عن مسؤول أميركي قوله إن بعض الهجمات الأخيرة أظهرت استخدام صواريخ ومسيرات ذات مدى أطول، في مؤشر، بحسب تقديره، إلى حدوث تطور في نوعية التسليح المتاح لبعض الجماعات المسلحة.

وتشير الصحيفة كذلك إلى أن القوات الأميركية والمنشآت الدبلوماسية والعسكرية التابعة لواشنطن في العراق تعرضت، بحسب بياناتها ومصادرها، لأكثر من 600 هجوم خلال الشهرين الأولين من الحرب مع إيران، في رقم يكشف حجم الساحة العراقية التي فتحتها المواجهة الإقليمية بين واشنطن وطهران.

لكن الأخطر في تقرير الصحيفة يتعلق بالوضع الأمني الداخلي.

فقد ذكرت (وول ستريت جورنال) أن السفارة الأميركية في بغداد باتت ترسل بصورة متكررة تحذيرات أمنية إلى الأميركيين وغيرهم، وأن بعض تلك التحذيرات يتعلق بمخاطر الخطف على أيدي جماعات مسلحة، وأضافت أن فريقا تابعا للصحيفة غادر بغداد بصورة مفاجئة خلال الشهر الحالي بعدما تلقى تحذيرات من مسؤولين عراقيين وأميركيين وأوروبيين بشأن تهديد أمني، قالت مصادر أميركية لاحقا إنه كان مرتبطا باحتمال تنفيذ عملية خطف من قبل فصيل شيعي مسلح.

ويضع التقريران هذه التطورات أمام حكومة علي الزيدي التي جعلت حصر السلاح أحد الملفات المركزية في برنامجها السياسي والأمني.

وكان الزيدي قد أعلن خلال زيارته إلى واشنطن أن الثلاثين من أيلول يمثل الموعد الذي يفقد بعده وجود الفصائل المسلحة خارج مؤسسات الدولة مبرره المرتبط بوجود القوات الأجنبية، قبل أن يمتد الجدول التنفيذي لعملية نزع السلاح إلى مراحل لاحقة.

ومع خروج الأميركيين، يصبح هذا الملف أكثر حساسية، لأن الحجة التي استخدمتها بعض الفصائل لسنوات، والمتمثلة بوجود قوات أجنبية داخل العراق، تدخل مرحلة مختلفة جذريا.

ونقلت (وول ستريت جورنال) عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قوله، خلال زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض في تموز الماضي، إن الولايات المتحدة لم تعد ترى حاجة إلى بقاء قواتها العسكرية في العراق، معربا في الوقت نفسه عن ثقته برئيس الوزراء العراقي وقدرته على إدارة المرحلة الجديدة.

وفي المقابل، يقدم تقرير (واشنطن بوست) قراءة أكثر تعقيدا لما بعد الانسحاب، إذ يرى أن إيران قد تعتبر مغادرة القوات الأميركية مكسبا استراتيجيا، لكن تحركاتها الإقليمية دفعت في الوقت نفسه دولا في المنطقة إلى إعادة النظر في ترتيباتها الأمنية وعلاقاتها وتحالفاتها، وتنقل الصحيفة عن مسؤول أميركي أن التعامل المباشر مع الجماعات المسلحة داخل العراق سيصبح، بعد انتهاء المهمة العسكرية الأميركية، مسؤولية عراقية بالدرجة الأولى.

وهذه ربما تكون الخلاصة الأكثر أهمية في التقريرين، فالعراق الذي يدخل مرحلة ما بعد الوجود العسكري الأميركي لا يدخل بالضرورة مرحلة أقل تعقيدا، بل ينتقل من سؤال ظل مهيمنا على الحياة السياسية طوال سنوات، وهو موعد خروج القوات الأجنبية، إلى سؤال أكثر مباشرة: هل تستطيع الدولة العراقية فرض سلطتها على جميع القوى المسلحة الموجودة داخل حدودها؟

وإذا صحت المعلومات التي أوردتها الصحيفتان عن انتقال جزء من النشاط المسلح إلى خلايا أصغر، وعن استئناف تدفق أسلحة أكثر تطورا من إيران، فإن التحدي أمام بغداد لن يكون مجرد إقناع القيادات المعروفة بتسليم مخازنها، وإنما منع إعادة إنتاج الفصائل بأسماء وهياكل أصغر وأقل وضوحا.

وبذلك، فإن صباح غداً الأول من تشرين الأول لن يكون مجرد اليوم الأول لعراق بلا قوات أميركية قتالية، بل اليوم الأول لاختبار كانت الدولة العراقية تؤجله منذ سنوات، وهو من يملك السلاح، ومن يصدر أمر استخدامه، ومن يمتلك في النهاية قرار الحرب والسلم داخل العراق؟