القوات الأميركية تغادر..
وأموال النفط العراقي تبقى مرتبطة بنيويورك

القوات الأميركية تغادر..
وأموال النفط العراقي تبقى مرتبطة بنيويورك

بغداد – سدن

في اليوم نفسه الذي غادر فيه آخر الجنود الأميركيين قواعدهم في العراق، أعادت (رويترز) فتح ملف الآلية التي تمر عبرها عائدات صادرات النفط العراقية بالنظام المالي الأميركي، وهي منظومة نشأت بعد 2003 وما تزال تمنح واشنطن موقعاً مؤثراً في دورة وصول الدولار إلى بغداد رغم انتهاء مهمة التحالف العسكرية.

وأوضحت الوكالة، في تقرير تفصيلي نشر الأربعاء، أن عائدات صادرات النفط العراقي بالدولار تمر عبر حسابات مرتبطة ببنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، في إطار ترتيبات تأسست بعد إسقاط نظام صدام حسين ثم تطورت عبر السنوات.

ويمثل النفط المصدر الأساسي للعملة الصعبة والجزء الأكبر من الإيرادات العامة العراقية، ما يجعل آلية حركة هذه الأموال ذات أهمية تتجاوز العلاقة المصرفية التقنية.

ولا يعني وجود الأموال في هذه المنظومة أن الولايات المتحدة تملك إيرادات العراق أو تستطيع التصرف بها باعتبارها أموالاً أميركية، فهي عائدات عراقية، لكن النظام يمنح واشنطن نفوذاً مهماً على تدفقات الدولار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمكافحة غسل الأموال وتمويل الجهات الخاضعة للعقوبات والتحويلات التي ترى وزارة الخزانة الأميركية أنها يمكن أن تصل إلى إيران أو كيانات محظورة.

وقد ظهر أثر هذا النفوذ مراراً خلال السنوات الماضية عندما فرضت واشنطن قيوداً على مصارف عراقية، أو شددت إجراءات الحصول على الدولار، وهو ما انعكس على سعر الصرف في السوق العراقية.

ومع اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الاستيراد والدولار، فإن أي اضطراب في هذه القنوات ينتقل سريعاً إلى الأسواق وأسعار السلع.

 

التزامن بين الانسحاب العسكري واستمرار النظام المالي يضيف معنى خاصاً إلى النقاش العراقي بشأن السيادة، فخروج القوات ينهي أحد أكثر أشكال النفوذ الأميركي وضوحاً، لكنه لا يلغي شبكة العلاقات المالية والمصرفية التي نشأت خلال العقدين الماضيين.

وبذلك تنتقل العلاقة العراقية - الأميركية من مرحلة كان فيها الوجود العسكري في قلبها، إلى مرحلة يصبح فيها الاقتصاد والطاقة والمصارف والتجارة والعقوبات عناصر أكثر تأثيراً.

وتزداد أهمية الملف مع الصراع الأميركي - الإيراني الحالي، فالعراق يرتبط اقتصادياً بإيران عبر التجارة والطاقة والحدود وحركة الأفراد، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى النظام المالي الأميركي والدولار وتسوية عائدات صادراته النفطية، وهذا الموقع بين اقتصادين متخاصمين يجعل بغداد عرضة لضغوط من الجانبين، ويضع الحكومة أمام مهمة دقيقة، في الحفاظ على علاقاتها الطبيعية مع جارها إيران من دون تعريض المصارف والاقتصاد العراقيين لعقوبات يمكن أن تكون تكلفتها مرتفعة.

وتظهر أزمة الرحلات الجوية الإيرانية الأخيرة نموذجاً مصغراً لهذه المشكلة، فبغداد لم تكن ترغب في قطع السفر مع إيران، لكن شركات الخدمات خشيت العقوبات الأميركية، قبل أن تعلن وزارة النقل حصول الخطوط الجوية العراقية على استثناء يسمح بإعادة بعض الرحلات، وهذا يوضح أن النفوذ المالي الأميركي يمكن أن يعمل حتى من دون قرار سياسي عراقي مباشر.

أما الحل بعيد المدى فلا يكمن في نقل مشكلة الاعتماد من جهة إلى أخرى، وإنما في بناء قطاع مصرفي عراقي أكثر استقلالاً وشفافية، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن النفط، وتطوير آليات تسوية مالية تستطيع العمل دولياً من دون أن تتحول إلى ممر للالتفاف على العقوبات.