تفكيك

نمو يقارب 10 في المئة..
الاقتصاد الفيتنامي يركض بسرعة تثير الإعجاب والقلق معاً

لندن - سدن
3 أكتوبر 2026
نمو يقارب 10 في المئة..
الاقتصاد الفيتنامي يركض بسرعة تثير الإعجاب والقلق معاً
حجم الخط

لندن - سدن

سجل الاقتصاد الفيتنامي نمواً بلغ 9.95 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، وهي أسرع وتيرة فصلية منذ مرحلة جائحة كورونا، مدفوعاً بقفزة في الصادرات واستثمارات واسعة في البنية التحتية، وفق البيانات التي نشرتها الحكومة ونقلتها (رويترز) اليوم.

والرقم هذا مذهل، في عالم تكافح فيه اقتصادات كبيرة للوصول إلى نمو اثنين أو ثلاثة في المئة، لكنه يحتاج إلى قراءة أبعد من العنوان، لأن النمو السريع يحمل معه علامات سخونة واضحة، فالواردات ترتفع بقوة، والتضخم بلغ 5.08 في المئة في سبتمبر، فيما تواجه البلاد تكلفة مرتفعة لواردات الطاقة وضغوطاً محتملة على الكهرباء.

وقد بلغت صادرات سبتمبر 59.48 مليار دولار، بزيادة 39.1 في المئة على أساس سنوي، بينما ارتفعت الواردات 45.8 في المئة إلى 58.21 مليار دولار، وهي أرقام تعكس حجم النشاط الصناعي الذي أصبحت فيتنام مركزاً له.

خلال العقدين الماضيين بنت البلاد نموذجها على التصنيع الموجه للتصدير، مستفيدة من العمالة التنافسية والقرب من الصين وشبكة الاتفاقيات التجارية، ثم جاء التوتر التجاري العالمي واستراتيجية (الصين زائد واحد) ليمنحاها فرصة إضافية، إذ بحثت شركات متعددة الجنسيات عن قاعدة إنتاج ثانية خارج الصين من دون الابتعاد عن سلاسل الإمداد الآسيوية.

لكن النجاح يخلق مشكلاته الخاصة، فالمصنع الجديد يحتاج إلى كهرباء وطريق وميناء وعامل ماهر وسكن، وإذا نما الطلب أسرع من البنية تظهر الاختناقات.

وقد ارتفع الإنتاج الصناعي 16.7 في المئة على أساس سنوي، فيما زاد الاستثمار الأجنبي المباشر المصروف 12.1 في المئة إلى 21.1 مليار دولار، وهي مؤشرات على أن النمو لا يأتي من الاستهلاك وحده بل من توسع القدرة الإنتاجية.

غير أن الواردات المرتفعة، خصوصاً الطاقة، دفعت الميزان التجاري التراكمي إلى عجز قياسي بلغ 19.42 مليار دولار، بحسب (رويترز)، وهذا يوضح أن المصنع الفيتنامي يحتاج إلى استيراد قدر كبير من الوقود والمكونات كي ينتج ما يصدره.

وهنا يظهر تحدي الطاقة، إذا كانت فيتنام تريد أن تصبح مصنعاً أكبر للعالم، فإن الكهرباء ليست تفصيلاً، هي الشرط الذي يحدد سقف النمو.

وتحتاج البلاد إلى توسيع الشبكة والطاقة المتجددة والغاز ومصادر أخرى في وقت واحد، فيما يزداد الطلب من الصناعة والمدن.

أما التضخم فيخلق معضلة للبنك المركزي، فرفع الفائدة يهدئ الأسعار لكنه قد يبطئ الاستثمار، وتركها منخفضة يدعم النمو لكنه يمكن أن يزيد الضغط على العملة والأسعار.

وقد رفع بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو فيتنام في 2026 إلى 7.8 في المئة، مع تحذيرات مرتبطة بالطلب العالمي والتضخم، وهو ما يوضح أن ربعاً واحداً قريباً من 10 في المئة لا يعني أن الاقتصاد يستطيع الحفاظ على السرعة نفسها طوال العام.

كما أن اعتماد البلاد على الصادرات يجعلها حساسة لدورات الاقتصاد العالمي، وإذا تباطأ الطلب الأميركي أو الأوروبي فإن المصانع الفيتنامية تشعر بذلك سريعاً.

ومع ذلك، فإن قصة فيتنام واحدة من أهم قصص التنمية في آسيا الحديثة، لأنها تحولت خلال عقود قليلة من اقتصاد منخفض الدخل إلى عقدة صناعية أساسية في الإلكترونيات والمنسوجات والأثاث والآلات.

والتحدي المقبل أصعب من المرحلة الأولى، فجذب المصنع الذي يبحث عن أجور أقل أسهل من الاحتفاظ به عندما ترتفع الأجور، ولذلك تحتاج فيتنام إلى الانتقال من التجميع إلى الهندسة والبحث والقيمة المضافة الأعلى.

وهذا يتطلب جامعات وتدريباً وبنية رقمية وإدارة عامة أكثر كفاءة، لا مناطق صناعية فقط.

ان النمو القريب من 10 في المئة يمنح هانوي موارد وفرصة تاريخية، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبار إدارة النجاح، فالاقتصاد الذي يركض بهذه السرعة يحتاج إلى طريق يتسع له، وإلا أصبحت الطاقة والإسكان والتضخم والبنية التحتية مكابح مفاجئة.

وفيتنام اليوم لا تعاني من نقص الطموح، بل من التحدي الأصعب، وهو كيف تحول طفرة التصنيع إلى اقتصاد غني ومستدام قبل أن تتغير الخريطة التي منحتها هذه الفرصة.

شارك المقال f 𝕏 in