لندن - سدن
خرج عشرات الآلاف في مدريد ومدن إسبانية أخرى اليوم 3 أكتوبر للاحتجاج على أزمة السكن، في أحدث تعبير عن مشكلة لم تعد تخص إسبانيا وحدها، بل تمتد من لندن إلى لشبونة وبرلين ودبلن، فالمدن التي تجذب العمل والسياحة والاستثمار، تكتشف أن نجاحها الاقتصادي يستطيع في الوقت نفسه أن يجعل العيش فيها مستحيلاً على جزء متزايد من سكانها.
وجوهر الأزمة بسيط في ظاهره، فالطلب على المساكن ارتفع أسرع من العرض، لكن خلف الجملة عوامل مثل السياحة والهجرة والاستثمار الأجنبي وبطء البناء وقواعد التخطيط وتغير أحجام الأسر وتحول العقار إلى أصل مالي.
فعندما تكون الشقة مكاناً للسكن فقط، يحدد سعرها إلى حد كبير دخل من يريد العيش فيها، أما عندما تصبح أيضاً استثماراً دولياً، وإيجاراً سياحياً، وأداة لحفظ الثروة، فإن المشتري المحلي ينافس أموالاً لا ترتبط بالراتب المحلي.
وهذا ما يفسر لماذا يشعر جيل كامل بأن العلاقة القديمة بين العمل والمسكن انكسرت، حيث كان من الممكن لشخص ذي وظيفة مستقرة أن يتوقع أن يدخر ثم يشتري، واليوم قد يرتفع سعر العقار أسرع من قدرته على الادخار.
كما ان الإيجار لا يقدم ملاذاً دائماً، لأن نقص المعروض يرفع الإيجارات أيضاً.
وفي المدن السياحية يضاف عامل المنصات قصيرة الأجل، فالشقة التي يمكن تأجيرها لزائر يومياً بعائد أعلى قد تخرج من سوق الإيجار الطويل، ما يقلل العرض للسكان.
لكن تحميل السياحة وحدها المسؤولية تبسيط، لأن المدن التي تملك قيوداً على الإيجار القصير ما زالت تعاني إذا لم تبنِ ما يكفي.
وهنا يصبح التخطيط الحضري جزءاً من السياسة الاجتماعية، فالحي الذي يرفض كل بناء جديد يحمي شكله الحالي، لكنه يمكن أن يجعل السكن الموجود أكثر ندرة وأغلى.
وفي المقابل، البناء بلا بنية تحتية أو جودة حضرية يخلق مشكلات أخرى، ولذلك لا يوجد حل واحد سريع.
فالمدن القديمة تحتاج إلى مساكن اجتماعية، وإلى سوق إيجار مستقر، وإلى بناء خاص، وإلى قواعد واضحة للسياحة، وكل أداة تعالج جزءاً مختلفاً.
كما أن الضرائب على العقارات الفارغة أو المشتريات الاستثمارية قد تخفف بعض الضغط، لكنها لا تستطيع إنتاج شقة جديدة وحدها.
وأزمة السكن أيضاً هي أزمة أجيال، فمن اشترى منزله قبل عشرين عاماً استفاد من ارتفاع القيمة، بينما يدفع الشاب اليوم السعر الجديد من دخل لم يرتفع بالسرعة نفسها.
وهذا يخلق انقساماً سياسياً لا يتطابق دائماً مع اليمين واليسار، إنه انقسام بين من يملك الأصل ومن يريد الوصول إليه.
وتؤثر الأزمة في قرارات الزواج والإنجاب والعمل، فالموظف قد يرفض وظيفة في مدينة غالية، والشاب يبقى في منزل العائلة فترة أطول، والأسرة تؤجل الطفل لأنها لا تجد مساحة مناسبة، أي أن العقار ينتقل من قطاع اقتصادي إلى محدد للديموغرافيا.
كما يغير المدن نفسها، العامل في المطعم أو المستشفى أو المدرسة، فقد يضطر للسكن بعيداً، فتطول رحلة العمل وتزداد تكلفة النقل، كما ان المدينة الغنية التي لا يستطيع العامل الضروري تحمل كلفة العيش فيها، تبدأ باستيراد العمل يومياً من الأطراف.
ان الاحتجاج الإسباني اليوم يعبر عن هذا التناقض، فليس المحتجون هم ضد المدينة الناجحة، بل ضد نموذج يشعرون بأنه يجعل النجاح غير متاح لهم.
والحلول ستكون بطيئة لأن البناء يحتاج إلى سنوات، وهذا ما يجعل التأخر السياسي مكلفاً، إذا بدأ النقص اليوم فلن تحله شقة تُسلم بعد سبع سنوات.
وتملك إسبانيا فرصة لأنها تستطيع الجمع بين إصلاح التخطيط وتوسيع السكن العام وتنظيم الاستخدام السياحي، لكن أي سياسة تختار أداة واحدة ستكتشف سريعاً حدودها.
فالبيت سلعة وأصل واستثمار، لكنه قبل كل ذلك بنية أساسية للحياة، وعندما ينسى السوق أو السياسة هذه الحقيقة، يتحول مفتاح الباب من رمز للاستقرار إلى أحد أكبر مصادر القلق الاجتماعي.