كتب: عمر الهارون
قبل عشرة أعوام، قيل للبريطانيين إن التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي قرار لجيل كامل، واليوم.. يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن في بلد تبدلت فيه الأجيال والقيادات السياسية وتوقعات الناخبين، ولم تعد القضية مجرد مراجعة لخسائر اقتصادية، أو غضب من إجراءات حدودية، فقد صار الخروج من الاتحاد اختباراً لمدى استعداد السياسة البريطانية للاعتراف بأن قراراً تاريخياً يمكن إعادة النظر فيه.
فقد نقلت صحيفة الغارديان السبت 17 أكتوبر، عن استطلاع واسع شمل أكثر من أحد عشر ألف شخص، أن نصف البريطانيين يؤيدون العودة إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 28 في المئة يعارضونها، فيما بقي الآخرون دون موقف حاسم، وتظهر أرقام أخرى أن قرابة ستة من كل عشرة يرون قرار الخروج خاطئاً، وهذه النتائج للاستطلاعات، تعني وبكل بساطة، أن المزاج العام لم يعد محكوماً بالانقسام الذي أنتج تصويت 2016.
ولعل المفاجأة السياسية ليست الأرقام وحدها، بل الشخص الذي أعاد الملف إلى طاولة الحكم، انه رئيس الوزراء العمالي آندي بيرنهام.
فقد تحدث عن ضرورة تغيير العلاقة القائمة مع بروكسل، ولم يستبعد الذهاب إلى خيار العضوية الكاملة، ويأتي ذلك بعد سنوات فضلت فيها قيادات حزب العمال الاقتراب من الاتحاد عبر ترتيبات عملية، من دون فتح معركة سياسية جديدة حول العودة إليه.
وبحسب الغارديان، يفسر أستاذ العلوم السياسية في جامعة مانشستر روب فورد التحول بتداخل ثلاثة عوامل، هي:
دخول ناخبين أصغر سناً إلى الساحة،
وتراجع أعداد بعض مؤيدي الخروج مع مرور الزمن،
وتحول موقف جزء ممن صوتوا لمغادرة الاتحاد بعدما قارنوا الوعود بالنتائج.
وهنا لا تكفي عبارة (ندم الناخبين) وحدها، فالمجتمع الذي يصوت اليوم ليس نسخة مطابقة للمجتمع الذي صوت قبل عقد.
لكن عودة الحنين إلى أوروبا لا تعني أن العودة إليها أصبحت سهلة، فإعادة العضوية تتطلب قراراً سياسياً ومفاوضات مع سبع وعشرين دولة، وربما استفتاءً جديداً، مع احتمال أن تطلب بروكسل ضمانات تمنع تقلب الموقف البريطاني كلما تغيرت الحكومة.
وتزداد أهمية النقاش مع اقتراب القمة البريطانية الأوروبية المقررة في بروكسل يوم 20 نوفمبر، ووفق بيان صادر عن الحكومة البريطانية في 12 أكتوبر، سيبحث بيرنهام مع قادة الاتحاد خفض العقبات أمام الشركات والمزارعين وتعزيز التعاون الأمني ومكافحة الجريمة والهجرة غير النظامية، وهذا المسار عملي وقابل للقياس، لكنه يختلف عن قرار العودة إلى عضوية الاتحاد بكل التزاماتها.
في المقابل، يملك المعارضون حجة سياسية لا يمكن تجاهلها، فالبلاد أمضت سنوات في صراع استنزف الأحزاب والمؤسسات، وقد يؤدي إحياء الاستفتاء إلى إزاحة قضايا الإسكان والصحة والخدمات العامة مجدداً، وتخشى شخصيات داخل حزب العمال - بحسب الصحيفة - أن يفتح النقاش انقساماً جديداً في دوائر صوتت للخروج عام 2016، كذلك لا يمكن اعتبار تأييد العودة في استطلاع رأي تعهداً بالتصويت لها بعد حملة انتخابية حادة.
كما ان هناك فرق جوهري بين إعادة فتح النقاش حول العضوية وبين إلغاء ما ترتب على الانسحاب، فالتجارة عبر الحدود تخضع الآن لترتيبات مختلفة، والعمالة الأوروبية لا تتحرك وفق القواعد السابقة، والقطاع الزراعي يواجه أعباء إجرائية يمكن تقليصها باتفاقات متخصصة، بحيث تتيح هذه التفاصيل للحكومة تقديم سياسة تقارب ملموسة من دون أن تطلب من الناخبين التصويت على قضية الهوية الوطنية مجدداً.
غير أن هذا الحل الوسط قد لا يرضي معسكر العودة الكاملة، ولا مؤيدي القطيعة الذين يرون أي تنازل لبروكسل تراجعاً عن السيادة، وبحسب البيان الحكومي، تريد لندن أن تشمل المباحثات المقبلة الأمن والحدود وتكاليف الغذاء، وهي ملفات تسمح بقياس النتائج بعيداً عن الشعارات.
أما في الانتخابات، فسيكون على بيرنهام تحديد ما إذا كان يطلب تفويضاً لتعديل الاتفاقات أو لإطلاق مسار طويل نحو العضوية.
وإذا كان بيرنهام يريد اختبار اتجاه الرأي العام، فإن نجاحه لن يقاس بجرأته على التلفظ بكلمة (العودة)، بل بقدرته على شرح الثمن والشروط والمكاسب بوضوح.. ولهذا فان بريطانيا لم تتخذ قرار الرجوع إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها خرجت من مرحلة اعتبار الحديث عنه محرماً سياسياً.