بغداد - سدن
كشفت هيئة النزاهة الاتحادية العراقية، الأحد، عن تفكيك شبكة تضم 19 موظفاً في سايلو الحبوب بمحافظة كربلاء، متورطة وفق نتائج التحقيق الأولي في عمليات تزوير وتلاعب بكميات الحنطة المسوّقة، وطلب رشاوى من المزارعين، في قضية قالت الهيئة إنها نجحت خلالها في منع هدر أكثر من 13 مليار دينار من المال العام.
وتكشف القضية جانباً من المخاطر التي تواجه برامج الدعم الزراعي في العراق، حيث تشتري الدولة الحنطة المحلية بأسعار تشجيعية بهدف دعم المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي، لكن ضعف الرقابة على عمليات التسويق قد يحوّل هذه السياسة إلى منفذ لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وبحسب بيان هيئة النزاهة، فقد انتقل فريق تحقيقي وتدقيقي من مكتب تحقيق كربلاء إلى سايلو الحبوب، بعد ورود معلومات عن وجود تلاعب واسع في الكميات المسوّقة.
وأظهرت إجراءات التدقيق، تسجيل كميات تزيد على الغلة المقررة من وزارة الزراعة، رغم أن قوائم التسويق المعتمدة لا تسمح بزيادة الكميات المحددة لكل مزارع.
وكشفت الهيئة أن بعض حالات التلاعب رفعت الكميات المسجلة إلى أكثر من عشرين ضعف الكمية الحقيقية، من خلال تحريف كتب التسويق الصادرة عن الجهات الزراعية، فضلاً عن تكرار تسجيل كميات الحنطة نفسها في السايلو المعدني والسايلو الكونكريتي.
وضبط الفريق موظفين اثنين للاشتباه بطلبهما رشاوى من مزارعين مقابل زيادة الكميات المعتمدة في عمليات التسويق.
وتبلغ قيمة شراء الطن الواحد من الحنطة بالسعر المدعوم نحو 700 ألف دينار، ما يوضح حجم المكاسب المحتملة عندما تضاعف الكميات المسجلة بصورة غير قانونية.
ووفق الأرقام التي أعلنتها هيئة النزاهة، بلغت كميات الحنطة التي شملتها عمليات التحريف والتزوير نحو 17 ألفاً و782 طناً، فيما وصلت قيمة الأموال التي جرى منع هدرها إلى 13 ملياراً و240 مليوناً و833 ألف دينار.
وأصدرت السلطات القضائية أوامر استقدام بحق مدير السايلو وستة عشر موظفاً آخرين، إلى جانب توقيف المتهمين اللذين ضبطهما الفريق التحقيقي، وفق أحكام المادة 289 من قانون العقوبات.
وأكدت الهيئة أن بقية الموظفين أُخلي سبيلهم بكفالات، مع استمرار التحقيقات لاتخاذ القرارات القضائية المناسبة.
ولا تعني إجراءات الاستقدام أو التوقيف ثبوت المسؤولية الجنائية بصورة نهائية، إذ تبقى الوقائع محل تحقيق إلى حين صدور أحكام قضائية باتة.
لكن القضية تثير تساؤلات جدية بشأن آليات المطابقة بين الإنتاج الزراعي الفعلي والكميات التي تستلمها المخازن الحكومية، فبرنامج شراء الحنطة يعتمد على سلسلة إدارية تشمل تقدير المساحات المزروعة، والإنتاج المتوقع، وإصدار كتب التسويق، ثم الاستلام والفحص والتخزين والصرف المالي، وأي خلل في إحدى هذه المراحل قد يفتح المجال أمام إدخال كميات وهمية أو تكرار احتساب المحصول، خصوصاً إذا تواطأ موظفون في أكثر من جهة.
كما أن التلاعب في الكميات قد يضر بالمزارعين الحقيقيين الذين يلتزمون بإجراءات التسويق، ويخلق منافسة غير عادلة داخل القطاع الزراعي.
ويؤكد كشف كربلاء أن الرقابة الميدانية قادرة على منع خسائر كبيرة، لكنه يضع الجهات المختصة أمام مهمة أوسع تتمثل في معالجة الثغرات التي سمحت بوقوع المخالفات أصلاً.
وتبرز أهمية القضية في توقيتها، إذ تواجه المالية العامة العراقية ضغوطاً نتيجة اضطراب الإيرادات النفطية وارتفاع الالتزامات الحكومية.