لندن - سدن
يبدو تناول قطعة حلوى أثناء العلاج بالمضادات الحيوية أمراً عادياً، لكن دراسة علمية حديثة تقترح أن نوع الطعام قد يؤثر في الطريقة التي تتعافى بها البكتيريا النافعة في الأمعاء بعد التعرض للأدوية.
فقد نشرت مجلة (نيتشر) في عددها الأخير، دراسة بعنوان يتناول أثر الأغذية الغنية بالسكر في اضطراب ميكروبات الأمعاء الناجم عن المضادات الحيوية، حيث تتبع باحثون 9,419 وجبة تناولها 173 مريضاً كانوا يخضعون لزراعة خلايا جذعية مكونة للدم، ثم حللوا عينات متتابعة من الميكروبيوم لدى 158 منهم، ووجدوا أن زيادة تناول الحلويات والسكريات خلال التعرض للمضادات ارتبطت بانخفاض تنوع الكائنات الدقيقة وارتفاع بعض الأنواع التي قد تسبب مشكلات لدى المرضى الضعفاء مناعياً، ومنها بكتيريا (إنتيروكوكس).
وتكمن أهمية الدراسة في أنها لم تعتمد فقط على سؤال عام من نوع: هل تأكل السكر كثيراً؟، بل ربطت سجلات وجبات مفصلة بتغيرات ميكروبية متعاقبة أثناء فترة علاج محددة، وهذا يسمح بفهم أدق للعلاقة الزمنية بين الغذاء والأدوية والكائنات الدقيقة، لكنه لا يزيل جميع مصادر الالتباس، فالمرضى يختلفون في شدة المرض وأنواع المضادات وحالتهم المناعية وأدوية أخرى يتلقونها، كما أن الدراسة لا تجعل السكر سبباً وحيداً للتغيرات المرصودة، بل عاملاً غذائياً ارتبط بزيادتها في هذه العينة.
أما لماذا يهم الأمر أصلاً؟
فتعيش في الأمعاء مجموعات كبيرة من البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تسهم في هضم بعض المركبات، وتكوين نواتج أيضية والتفاعل مع جهاز المناعة، والمضادات الحيوية ضرورية لعلاج العدوى البكتيرية، لكنها قد تؤثر كذلك في كائنات غير مستهدفة، فتغير توازن البيئة المعوية مؤقتاً أو لفترة أطول.
وإذا تراجعت الأنواع المتنوعة، قد تتسع المساحة أمام كائنات أكثر قدرة على التكاثر في ظروف الاضطراب، لهذا يراقب الأطباء بعناية مرضى الزراعة وأصحاب المناعة الضعيفة.
والنتيجة لا تبرر نصيحتين شائعتين وخاطئتين:
الأولى إيقاف المضاد الحيوي خوفاً على بكتيريا الأمعاء،
والثانية الاعتقاد أن تناول أطعمة معينة يغني عن العلاج أو يعالج كل اضطراب ميكروبي.
لهذا يجب استخدام المضادات وفق وصف الطبيب، ولا ينبغي تعديل الجرعة أو مدتها اعتماداً على خبر صحفي، كذلك لا تسمح بيانات الدراسة بإعلان نظام غذائي موحد لكل المرضى، فبعض الأشخاص يحتاجون إلى ترتيبات تغذية خاصة، ومرضى زراعة الخلايا يخضعون عادة لإشراف طبي دقيق.
وتفتح النتائج باباً بحثياً أكثر إثارة، هو هل يمكن تصميم نصائح غذائية مخصصة لفترات استخدام المضادات، وهل يختلف التأثير باختلاف نوع الدواء أو العمر أو المرض؟
للإجابة، نحتاج إلى تجارب تدخلية تقارن أنظمة غذائية محددة، وتقيس نتائج سريرية حقيقية، لا تغيرات الميكروبيوم وحدها، فالانخفاض في التنوع البكتيري مؤشر مهم، لكنه ليس مرادفاً تلقائياً لحدوث مرض، كما أن تحسن المؤشر لا يضمن وحده تحسن صحة المريض.
وتوضح الدراسة أيضاً أهمية عدم اختزال الميكروبيوم في وصفات تسويقية عن (البكتيريا الجيدة) و(السيئة)، فالكائن نفسه قد يتصرف على نحو مختلف تبعاً لمكان وجوده وحالة المناعة وتوازن الأنواع الأخرى، وبعض الميكروبات التي تعيش طبيعياً في الأمعاء قد تصبح خطراً عند انتقالها إلى موضع آخر، أو تكاثرها بصورة مفرطة في مريض ضعيف المناعة، لهذا لا يمكن الحكم على صحة الأمعاء من اسم بكتيريا واحدة، أو من اختبار تجاري بسيط يباع للمستهلكين.
كما ينبغي الانتباه إلى أن سجلات الطعام التفصيلية لا تعني أن الباحثين تحكموا في كل ما أكله المرضى، فالدراسات الرصدية قادرة على كشف أنماط تستحق التجريب، لكنها لا تحسم وحدها ماذا سيحدث إذا خفضنا السكر عمداً أثناء العلاج.
كما ان الفرق بين الملاحظة والتدخل أساسي في الطب، فقد تساعد النتيجة على تصميم تجربة مستقبلية، لكنها لا تبرر اليوم إلغاء طعام يحتاج إليه مريض أو إضافة مكملات من دون استشارة الفريق المعالج.