لندن - سدن
في مترو لندن، يستطيع الراكب أن يتسامح مع ازدحام العربات وتأخر القطار وحرارة الأنفاق، لكنه قد يفقد صبره أمام هاتف يبث مقطعاً صاخباً بلا سماعات.
المشهد مألوف في المدن الكبرى، غير أنه تحول هذا الأسبوع إلى قضية سياسية بريطانية، بعدما أعلنت الحكومة حملة ضد من يشغلون الموسيقى والفيديوهات بصوت مرتفع في وسائل النقل العام، وهكذا أصبحت قطعة صغيرة من البلاستيك توضع في الأذن عنواناً لنقاش أوسع عن آداب العيش المشترك.
صحيفة (الغارديان) ذكرت أن رئيس الوزراء آندي برنهام أطلق حملة تشجع الركاب على استخدام السماعات، مع إرشادات تمنح السلطات المحلية، صلاحية فرض غرامات تصل إلى مئة جنيه إسترليني، على بعض السلوكيات المزعجة في الحافلات إذا رفض أصحابها الامتثال.
وأشارت الصحيفة إلى أن شركات القطارات تملك أصلاً سلطات لفرض عقوبات أعلى على السلوك المعادي للمجتمع، لكن الإعلان لا يعني أن كل راكب يسمع مقطعاً مرتفعاً سيُغرّم فوراً، فالتطبيق يرتبط بقواعد محلية وإجراءات تنفيذ.
ولندن ليست جديدة على هذه المعركة، ففي أغسطس 2025 أطلقت هيئة النقل في لندن حملة تذكر مستخدمي المترو والحافلات بخفض الصوت واستخدام السماعات.
وذكرت (الغارديان) حينها، أن استطلاعاً للهيئة شمل ألف شخص وجد أن سبعين في المئة يعدون الموسيقى والمكالمات المرتفعة مصدر إزعاج، ومع اتساع تغطية الاتصالات في الأنفاق، صار بث الفيديو والمكالمات المباشرة أكثر سهولة، لكن سهولة الاتصال لم يصاحبها اتفاق اجتماعي جديد على حدوده داخل الأماكن المشتركة.
اللافت أن المشكلة ليست تقنية، فمعظم الناس يستطيع خفض الصوت بلمسة واحدة، لكنهم يختلفون في تقدير ما يحق لهم فعله داخل فضاء عام، فهناك من يرى الحافلة امتداداً لغرفة جلوسه، ومن يراها مكاناً مؤقتاً يجتمع فيه غرباء لا يملكون خيار المغادرة، والمدينة التي تتسع لملايين الأشخاص لا تحتاج إلى اتفاق على الموسيقى المفضلة، بل إلى قاعدة بسيطة، هي ان حريتك في الاستماع لا تتضمن إجبار الآخرين على المشاركة.
غير أن فرض الغرامة ليس حلاً سحرياً، فقد نقلت (الغارديان) اعتراض نقابات عمالية على أن الإجراءات لا تعالج ما يتعرض له موظفو النقل من اعتداءات، كما أشارت إلى صعوبة تطبيق القواعد مع نقص أفراد الشرطة المختصين، فلا يمكن مطالبة سائق الحافلة بأن يتحول إلى شرطي صوت وهو يقود مركبة مزدحمة وسط حركة المرور، وإذا افتقر التنفيذ إلى موظفين مدربين، فقد تنتهي الحملة إلى ملصقات جميلة وعقوبات نادرة.
وتملك لندن تجربة تستحق الملاحظة في هذا المجال، حيث الجمع بين القانون والرسالة الاجتماعية، فالحملات التي تدعو إلى إفساح المقاعد، وترك الركاب ينزلون قبل الصعود، وعدم سد أبواب القطار، صنعت على مدى سنوات لغة مدنية يفهمها الجميع حتى لو خالفها بعضهم، وما تحتاجه قضية الضجيج هو الأسلوب نفسه، مع مراعاة الأطفال وذوي الإعاقات والحالات الطارئة، فليس الهدف مدينة صامتة، بل مدينة لا يحتكر أحد فيها سمع الآخرين.
وثمة مفارقة ثقافية أخرى، فكثير من سكان لندن يستخدمون السماعات ليصنعوا لأنفسهم مساحة خاصة وسط الزحام، ثم يأتي شخص واحد فيفرض على العربة كلها مساحته الصوتية، فالمدينة الحديثة تسمح للفرد بأن يكون وحيداً بين الناس من دون أن ينفصل عنهم، لذلك تبدو سماعات الأذن أداة للتعايش بقدر ما هي أداة للاستماع، ويمكن قراءة الاعتراض على الضجيج بوصفه دفاعاً عن حق المسافر في التفكير أو القراءة أو الاستراحة، لا اعتراضاً على الموسيقى نفسها.
لكن الحساسية تجاه الضوضاء تختلف بين الناس، فهناك من يتأثرون بها بشدة بسبب حالات صحية أو عصبية، ومن يفضلون محادثة طبيعية مع رفاقهم، ولهذا يجب أن تكون الرسالة محددة: منع بث المحتوى المسموع على الآخرين قسراً، لا فرض الصمت على الحياة العامة.
إن نجاح حملة التوعية يتطلب لغة محترمة لا تسخر من الشباب ولا تفترض أن كل مستخدم للهاتف قليل التهذيب، فالاحترام الذي تطالب به الحملة يجب أن يظهر في طريقة تطبيقها أيضاً.
قد تبدو سماعات الأذن مسألة تافهة بجوار الحروب والانتخابات، لكنها تختبر احترام الفرد لحق شخص لا يعرفه ولن يراه ثانية، وفي المدينة التي تتسع لكل اللغات والأغاني، ربما تكون أبسط علامة على التهذيب أن نختار لأنفسنا ما نسمع، ونترك للآخرين حق الهدوء.