لندن - سدن
كتب: المحرر السياسي
ليس مقدساً أن يبقى اليمن دولة واحدة، كما ليس حتمياً أن يتحول إلى ثلاث دول، فالمقدس الوحيد هو حق اليمنيين في الأمن والحرية واختيار شكل دولتهم، وإذا كانت الوحدة قد أصبحت وسيلة لإخضاع طرف لآخر، فإن الانفصال السلمي المتفاوض عليه قد يكون أكثر إنصافاً من وحدة تُفرض بالدبابات.
فمنذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، لم تتوقف الخلافات حول طبيعة الدولة وتقاسم السلطة والثروة، وصولاً إلى حرب 1994، ثم الحروب المتعاقبة التي انتهت بسيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، وانزلاق البلاد إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في المنطقة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو مشروعاً التساؤل عما إذا كانت المحافظة على الحدود السياسية الحالية أهم من المحافظة على حياة اليمنيين، وما إذا كان الإصرار على دولة مركزية واحدة قد تحول، في بعض مراحله، إلى سبب لاستمرار الصراع بدلاً من إنهائه.
فاليمن ليس كتلة اجتماعية وسياسية متجانسة، فهناك الجنوب بتاريخه السياسي المستقل، والهضبة الشمالية بتعقيداتها القبلية والإمامية، والوسط اليمني الذي تشكل تعز ثقله السكاني والثقافي، وهذه الاختلافات لا تفرض بالضرورة قيام دول منفصلة، لكنها تجعل من مناقشة مستقبل الدولة بعيداً عن الشعارات، حق مشروع.
ثلاث جمهوريات.. لماذا لا؟
قبل الوحدة، كانت هناك دولتان يمنيتان، جمهورية في الشمال وأخرى في الجنوب، واليوم يمكن طرح تصور مختلف يقوم على ثلاث جمهوريات: جمهورية شمالية عاصمتها صنعاء، وجمهورية جنوبية عاصمتها عدن، وجمهورية ثالثة عاصمتها تعز، تشمل المناطق التي يختار سكانها الانضمام إليها.
وليس المقصود رسم حدود مذهبية تفصل الزيديين عن الشافعية، فالمشكلة اليمنية أعمق من الانقسام المذهبي، ولا يجوز تحميل جماعة دينية مسؤولية تاريخ كامل من الحروب، فالمشكلة تكمن في تحويل الانتماءات السلالية والقبلية والمذهبية إلى أدوات لاحتكار السلطة، وإخضاع المجتمع بقوة السلاح.
والسؤال هنا، لماذا ينبغي لأبناء تعز أو عدن أن يظلوا أسرى صراع متكرر على السلطة في صنعاء؟ ولماذا ينبغي لأبناء صنعاء أنفسهم أن يبقوا تحت سلطة جماعة مسلحة تدعي حقاً استثنائياً في الحكم؟
إن إنشاء ثلاث جمهوريات ليس وصفة سحرية، لكنه احتمال سياسي يستحق الدراسة، خصوصاً إذا اقترن بتفاهمات اقتصادية وحدود مفتوحة واتفاقات أمنية تتيح للدول الجديدة التعاون بدلاً من الدخول في حروب جديدة.
أولاً.. إنهاء حكم الحوثيين
ولا يمكن إجراء استفتاء حر بينما تسيطر جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة، وتحتفظ بترسانة عسكرية خارج سلطة القانون، ولذلك فإن أي مشروع لإعادة تأسيس اليمن ينبغي أن يبدأ بإنهاء الحكم العسكري للحوثيين، ونزع سلاحهم، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة الأخرى لسلطة مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية خاضعة للمساءلة.
ولا يعني ذلك إقصاء المواطنين بسبب انتماءاتهم المذهبية أو السياسية، وإنما إنهاء حق أي جماعة في فرض إرادتها على الآخرين بالسلاح، أو ادعاء امتلاك شرعية وراثية تمنحها امتيازاً دائماً في الحكم.
فالجمهورية لا تستقيم مع الإمامة، ولا مع الميليشيات، ولا مع سلطة تعتبر المواطنين رعايا تابعين لسلالة أو زعيم.
استفتاء برعاية عربية ودولية
وبعد استكمال الترتيبات الأمنية، يمكن إطلاق مرحلة انتقالية محددة زمنياً، تنتهي باستفتاء عام تشرف عليه الأمم المتحدة، بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة وجامعة الدول العربية، وبضمانات تكفل استقلال العملية وشفافيتها، ويعرض على اليمنيين الاختيار بين استمرار الدولة الموحدة بصيغة اتحادية، أو العودة إلى دولتين، أو تأسيس ثلاث جمهوريات، من خلال نظام اقتراع يضمن أغلبية واضحة وموافقة سكان المناطق المعنية على مستقبلها.
وللسعودية دور محوري محتمل في دعم هذا المسار، بحكم الجوار والمصالح الأمنية والاقتصادية والروابط التاريخية، على أن تبقى الكلمة النهائية لليمنيين أنفسهم.
أما نتائج الاستفتاء، فينبغي أن تتبعها ترتيبات دستورية واتفاقات ملزمة بشأن الحدود والثروات والموانئ والجنسية وحقوق المواطنين وحرية الحركة والتجارة.
اليمنيون أهم من خريطة اليمن
لقد استُخدمت الوحدة، كما استُخدمت شعارات الجمهورية والسيادة، لتبرير صراعات دفعت أجيالاً من اليمنيين أثمانها من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، وليس مطلوباً اليوم أن يختار العالم نيابة عنهم، أو أن يقرر السياسيون المسلحون شكل الدولة المقبلة قبل أن يُسمح للمواطنين بالتعبير عن إرادتهم.
فقد يختار اليمنيون دولة اتحادية واحدة، وقد يفضلون دولتين، وربما يجدون في الجمهوريات الثلاث صيغة تنهي عقوداً من التنافس على العاصمة والسلطة.
وفي الحالات الثلاث، لا ينبغي أن يكون السلاح هو الذي يقرر.. فاليمن لم يُخلق من أجل أن يبقى موحداً أو مقسماً، وإنما ينبغي أن تكون الدولة، أياً كان شكلها، موجودة من أجل اليمنيين.
وإذا كان ثمن الوحدة حرباً دائمة، فمن حقهم أن يناقشوا السلام خارج حدودها، وأن يقرروا بأنفسهم إن كانوا يريدون وطناً واحداً، أم وطنين، أم ثلاثة أوطان.