واشنطن - سدن
بعد سبعة عقود من الاعتماد على قيادة أميركية للقوات المشتركة زمن الحرب، تعيد كوريا الجنوبية طرح سؤال يبدو بديهياً في أي دولة مستقلة: من يصدر الأوامر عندما تبدأ المعركة على أراضيها؟
الرئيس لي جاي ميونغ أعلن أن جيشه قادر على استعادة القيادة العملياتية في الحرب، وأن المحادثات مع واشنطن تسير بصورة إيجابية، لكن الانتقال لا يتعلق بتبديل اسم قائد في غرفة العمليات، بل بإعادة توزيع المسؤولية العسكرية داخل واحدة من أكثر التحالفات حساسية في آسيا.
وكالة (رويترز) قالت أن لي دعا إلى استعادة القيادة في وقت مبكر، مؤكداً قدرة الجيش الكوري الجنوبي على مواجهة الشمال رغم امتلاكه أسلحة نووية، وتحتفظ الولايات المتحدة بنحو 28,500 عسكري في الجنوب، بينما تستند ترتيبات القيادة المشتركة إلى تاريخ الحرب الكورية بين 1950 و1953، وقد اتفق البلدان منذ 2007 على مبدأ نقل القيادة، لكن تنفيذ القرار تأخر مراراً بسبب تقييمات الجاهزية وتبدل الأوضاع الأمنية.
وتستدعي هذه الخطوة فهماً دقيقاً للمصطلحات، فسيول تدير قواتها في زمن السلم، بينما تتعلق القضية بمن يقود القوات المشتركة إذا اندلعت حرب واسعة، كما ان نقل القيادة إلى جنرال كوري جنوبي لا يعني تلقائياً انسحاب الجنود الأميركيين، ولا إلغاء المعاهدة الدفاعية، ولا ترك الجنوب بمفرده أمام الشمال، بل يعني أن التحالف يعيد ترتيب مركز القرار العملياتي، مع استمرار الحاجة إلى التنسيق في الاستطلاع والدفاع الصاروخي والاتصالات والإمداد.
وبحسب (رويترز)، يستهدف الرئيس إنجاز العملية قبل انتهاء ولايته عام 2030، بينما تحدثت تقارير كورية عن عام 2028، وأشار قائد القوات الأميركية في كوريا إلى خارطة طريق تستهدف أوائل 2029، والفارق بين التواريخ يعكس اختلافاً في تقدير الاستعداد، وليس بالضرورة نزاعاً سياسياً مفتوحاً، فانتقال القيادة يحتاج إلى اختبارات ميدانية وقدرة على إدارة عمليات معقدة بين جيشين يستخدمان منظومات وتسلسلات أوامر مختلفة.
وتزيد الأسلحة النووية الكورية الشمالية صعوبة الحساب، فالردع الأميركي لا يقوم على أعداد الجنود وحدها، بل على الضمانات الاستراتيجية وإمكانات الإنذار المبكر والقدرة على الرد، وإذا أرادت سيول أن تقود الحرب التقليدية بنفسها، فستحتاج إلى تفاهم واضح حول القرارات التي تبقى مرتبطة بالردع النووي الأميركي، والغموض في هذه المنطقة قد يغري بيونغ يانغ باختبار حدود التحالف أو يخلق ارتباكاً عند وقوع حادث حدودي، حتى لو لم يكن أي طرف يريد الحرب.
وثمة بُعد سياسي داخلي كذلك، فالقيادة الوطنية تمنح الحكومات الكورية الجنوبية صورة أقوى للسيادة وتخفف الانتقادات المتعلقة بالاعتماد العسكري الطويل على واشنطن، لكن الرأي العام الكوري يعرف أيضاً أن الردع المشترك كان ركناً من أركان أمن البلاد، لذلك لن يكفي الخطاب الوطني لإقناع المشككين، والمطلوب خطة تضمن أن نقل الصلاحية يزيد القدرة على الاستجابة بدلاً من أن يفتح فجوة في سلسلة القيادة وقت الأزمة.
وتبرز في الخلفية مسألة الثقة السياسية بين الحليفين، فإذا اعتقدت سيول أن واشنطن قد تغير أولوياتها بسرعة، يصبح امتلاك القيادة الوطنية أكثر جاذبية، وإذا خشيت واشنطن من تباين تقديرات المخاطر بين القادة، فقد تطلب اختبارات أشد قبل نقل الصلاحية، لذلك فإن المسار ليس سباقاً بين جدولين زمنيين، بل عملية بناء ثقة مؤسساتية يجب أن تصمد أمام تغير الرؤساء والوزراء في البلدين، ومن الأفضل إعلان معايير الجاهزية بوضوح بدلاً من تحويل سنة النقل إلى شعار انتخابي.
كذلك يجب النظر إلى المدنيين القريبين من المنطقة منزوعة السلاح، ففي أي مواجهة، ستكون حماية سيول والمدن المكتظة وإدارة الإجلاء والاتصالات العامة جزءاً من القيادة العملياتية، لا مسائل ثانوية، وتحتاج القوات المشتركة إلى تدريب متكرر على اتخاذ القرارات في ظل معلومات ناقصة وتعطل الاتصالات، مع وضوح الجهة التي تعلن التحذيرات وتنسق الاستجابة المدنية، فالاستقلال العسكري الحقيقي يظهر في قدرة الدولة على حماية سكانها ساعة الخطر، وليس فقط في رفع علمها فوق مقر القيادة.
وبحسب المراقبين في واشنطن، فأن نجاح المشروع سيقاس بالقدرة على الجمع بين سيادة القيادة وفاعلية التحالف، فالجنرال الكوري الذي يتولى غرفة العمليات يجب أن يمتلك أدوات القرار والمعلومات والاتصال، لا مجرد رتبة رمزية، وواشنطن مطالبة بدورها بإثبات أن الشراكة لا تعني الوصاية الدائمة، ففي شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن يصبح نقل القيادة خطوة نحو تحالف أكثر نضجاً، إذا سبقه اتفاق عملي على ما يحدث في الساعة الأولى من أي مواجهة.