لندن - سدن
تبدو الحياة في العاصمة الإيرانية وكأنها استعادت شيئاً من إيقاعها بعد القصف الأميركي الإسرائيلي، لكن عودة المتاجر إلى العمل لا تعني عودة الاقتصاد إلى طبيعته، فقد كشفت (فايننشال تايمز)، في تقرير ميداني نشرته اليوم، عن مدينة تحاول التكيف مع الحصار وتراجع العملة وارتفاع الأسعار، بينما يعيش سكانها تحت احتمال استئناف الضربات في أي وقت.
ففي الأسواق، لم يعد السؤال الأساسي عن السلع الجديدة، بل عن قدرة الزبائن على دفع ثمنها، فقد تراجعت المبيعات، وارتفعت أسعار بعض الأجهزة المنزلية بنسب وصلت إلى 150 في المئة، وأصبح كثير من المستهلكين يفضلون إصلاح ما يملكونه بدلاً من شراء بدائل جديدة، ويصف التجار تراجعاً واضحاً في الطلب، مع تغير أولويات الأسر التي باتت تحتفظ بما يتوافر لديها من مال للطعام والاحتياجات الأساسية والطوارئ.
ويواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزامنة، فالحصار البحري يعطل طرق الاستيراد والتصدير، وتزيد العقوبات من صعوبة التعاملات المالية، بينما يرفع انخفاض قيمة الريال تكلفة السلع المستوردة، وحتى عندما تتمكن الشركات من العثور على طرق بديلة عبر باكستان أو روسيا أو الصين أو بعض القوارب الخليجية الصغيرة، فإن تكاليف النقل والمخاطر التجارية تجعل هذه البدائل أكثر كلفة وأقل انتظاماً.
وتؤكد السلطات الإيرانية امتلاك البلاد قدرات صناعية وزراعية وشبكات تجارية تسمح لها بالصمود، ولا يمكن تجاهل أن إيران اكتسبت خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وأن اقتصادها لا يعتمد على الواردات وحدها، لكن القدرة على استمرار النشاط الاقتصادي شيء، والمحافظة على مستوى معيشة مقبول شيء آخر.
فقد تستطيع الدولة ضمان وصول بعض السلع، بينما يعجز المواطن عن شرائها، وقد تستمر المصانع في العمل، لكن بأرباح أقل وتكاليف أعلى، وقد تبقى الأسواق مفتوحة، فيما يتراجع عدد المشترين إلى مستويات تهدد استمرار التجار أنفسهم.
وتشير شهادات نقلتها الصحيفة إلى شعور متزايد بالإنهاك واللامبالاة، فالناس لا يعيشون فقط تحت ضغط الأسعار، بل تحت ضغط عدم اليقين، ولا يعرف صاحب المشروع ما إذا كان سيتمكن من استيراد المواد الشهر المقبل، ولا تعرف الأسرة ما إذا كان ادخارها سيحافظ على قيمته، ولا يستطيع العامل التخطيط لمستقبل وظيفته بثقة.
ومع ذلك، لا تشير المعطيات المتاحة إلى وجود حركة احتجاجية واسعة جديدة في العاصمة، فقد أضعفت حملات القمع السابقة قطاعات من المعارضة، كما أن الخوف من الحرب قد يدفع بعض السكان إلى تقديم الأمن الشخصي على المطالب السياسية الآنية.
وتكشف هذه الصورة حدود الرهان على الحصار باعتباره وسيلة سريعة لتغيير المواقف السياسية، فالضغط الاقتصادي قد يضعف قدرة الدولة على تمويل أنشطتها، لكنه يضعف أيضاً المجتمع، ويستنزف الطبقات الوسطى، ويزيد اعتماد الأفراد على شبكات المساعدة غير الرسمية.
وإذا استمر الوضع أشهراً إضافية، فقد تصبح المشكلة الإيرانية أكبر من أزمة سيولة أو تجارة، إنها أزمة ثقة في المستقبل، حيث تؤجل الأسر قراراتها، وتفقد المشاريع قدرتها على التوسع، ويصبح البقاء الاقتصادي هدفاً بحد ذاته.