الماركسية والسياسة الثورية وحدود الأيديولوجيا
عكست جاذبية الماركسية وغيرها من العقائد الاشتراكية سياقاً تاريخياً حقيقياً أيضاً. فقد شهدت مجتمعات كثيرة في الشرق الأوسط تفاوتاً اقتصادياً عميقاً، ونفوذاً اقتصادياً أجنبياً، وضعفاً في الخدمات العامة، وتراتبيات اجتماعية راسخة. وقدمت الحركات الاشتراكية تفسيرات لهذه المشكلات، ووعدت بتوزيع أكثر إنصافاً للثروة، وتحديث قوى الإنتاج، وتحرير العمال والفلاحين.
وحققت بعض الحكومات مكاسب مهمة في التعليم والصحة العامة والبنية التحتية وإتاحة الخدمات الاجتماعية. ولم تكن التنمية التي تقودها الدولة فاشلة في جميع جوانبها، كما سيكون من غير الدقيق تاريخياً اعتبار كل سياسة اشتراكية كارثة.
ومع ذلك، ارتبطت الأيديولوجيا الثورية في عدد من البلدان ارتباطاً وثيقاً باحتكار حزب واحد للسلطة السياسية. واستُخدم الادعاء بتمثيل مصالح الشعب لتبرير تقييد التعددية السياسية. وأصبح من الممكن التعامل مع الحركات العمالية المستقلة والمثقفين والمنظمات الدينية وأحزاب المعارضة باعتبارهم أعداء للثورة، بدلاً من كونهم مشاركين في الحياة الوطنية.
كما أوجدت المركزية الاقتصادية مشكلات عندما أصبح الولاء السياسي مقدماً على الكفاءة والمنافسة والمساءلة. ففي بعض الحالات، أضعفت سيطرة الدولة الحوافز الإنتاجية، وشجعت المحسوبية، وتركت الاقتصادات غير مهيأة بصورة كافية للتكيف مع الظروف المتغيرة.
ولم يكن الإخفاق الأعمق مجرد تبني سياسات اقتصادية اشتراكية، بل تمثل في افتراض أن عقيدة أيديولوجية واحدة، تفرضها سلطة سياسية مركزية، يمكن أن تحكم بصورة ملائمة مجتمعات تتعدد فيها المصالح والمعتقدات والهويات والاحتياجات الاقتصادية.
فلا تستطيع أي فلسفة سياسية، سواء كانت اشتراكية أو قومية أو ليبرالية أو دينية، أن تحل محل المؤسسات الفاعلة. وقد تساعد الأفكار المجتمعات على تحديد أوجه الظلم وتصور الإصلاح، لكن نجاح الإصلاح يعتمد على كيفية ممارسة السلطة، وكيفية تصحيح القرارات عندما تفشل، وما إذا كان يُسمح للمواطنين بمساءلة السلطات التي تحكمهم.
وعندما تصبح الأيديولوجيا محصنة ضد النقد، يمكن أن يتحول وعدها بالتحرر إلى أداة أخرى للسيطرة.
الثورة الإيرانية وتوسع النفوذ الثوري
أدخلت الثورة الإيرانية عام 1979 قوة تحويلية أخرى إلى النظام الإقليمي. فقد أطاحت بحكم الملك محمد رضا شاه بهلوي، وأقامت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني. وحظيت الثورة بدعم ائتلاف متنوع ضم جماعات دينية ويساريين وقوميين وطلاباً وغيرهم من معارضي النظام الملكي، رغم أن هذه القوى لم تكن تتبنى رؤية مشتركة للنظام السياسي الذي سيعقب الثورة.
وعززت الجمهورية الإسلامية الجديدة سلطتها تدريجياً حول مؤسساتها وإطارها الأيديولوجي الخاص. كما طورت سياسة خارجية قدمت تصدير الأفكار الثورية ومعارضة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي باعتبارهما عنصرين أساسيين في هويتها الإقليمية.
وألحقت الحرب الإيرانية العراقية التي بدأت عام 1980، عندما غزا العراق بقيادة صدام حسين إيران، دماراً هائلاً بالبلدين. واستمر الصراع حتى عام 1988، وتسبب في خسائر بشرية واقتصادية ضخمة، ورسخ الطابع العسكري للسياسة لدى الجانبين. وبدلاً من أن يؤدي إلى توافق إقليمي جديد، عمّق الشكوك المتبادلة، وأرسى أنماطاً من التنافس الأمني التي ستشكل الشرق الأوسط لعقود.
وبعد الحرب، طورت إيران علاقات مع حركات مسلحة وسياسية خارج حدودها. وأصبح حزب الله في لبنان أحد أهم شركائها الإقليميين، فيما توسع النفوذ الإيراني لاحقاً عبر علاقات مع أحزاب سياسية وجماعات مسلحة في العراق وسوريا واليمن.
ولا يمكن اختزال هذه التطورات في تفسير واحد لعدم الاستقرار في المنطقة. فالصراعات في لبنان والعراق وسوريا واليمن لها جذورها الداخلية المميزة، كما تشكلت نتائجها بفعل قوى إقليمية أخرى، وفاعلين سياسيين محليين، وتدخلات أجنبية، ونقاط ضعف مؤسسية ممتدة.
ومع ذلك، أسهم استخدام إيران جماعات مسلحة حليفة وسعيها إلى توسيع نفوذها الإقليمي في تعقيد المعضلات الأمنية في عدد من البلدان. ففي لبنان، أدى وجود تنظيم مسلح قوي خارج السلطة المعتادة للدولة إلى تعقيد النقاشات المتعلقة بالسيادة واحتكار الدولة لاستخدام القوة. وفي العراق، شكّل نمو الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران جزءاً من صراع أوسع حول العلاقة بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية ومراكز القوة العسكرية المستقلة. وفي سوريا، ساعد الدعم الإيراني لحكومة بشار الأسد على إبقاء النظام خلال حرب أهلية مدمرة. أما في اليمن، فقد شكّل الدعم الإيراني لحركة الحوثيين جزءاً من صراع تحركه أيضاً مظالم داخلية، وانهيار المرحلة الانتقالية السياسية، وتدخل التحالف بقيادة السعودية.
ويعكس النمط الناتج مشكلة أوسع؛ فقد تبدأ الحركات الثورية بادعاء مقاومة الهيمنة، لكن أساليبها قد تنشئ أشكالاً جديدة من التبعية والإقصاء السياسي والتنافس المسلح. وادعاء حركة ما تمثيل مجتمع معين لا يمنحها تلقائياً سلطة تحديد مستقبل بلد بأكمله.
وينطبق المبدأ نفسه على الهوية الدينية. فالتمكين السياسي لجماعة دينية ليس مزعزعاً للاستقرار بطبيعته، كما أن المشاركة السياسية للشيعة ليست في حد ذاتها سبباً للفوضى الإقليمية. فالمجتمعات الشيعية، شأنها شأن المجتمعات السنية والجماعات الدينية الأخرى، تضم تقاليد ومصالح سياسية متنوعة. وتظهر المشكلة عندما تحاول أي دولة أو حركة تحويل الانتماء الديني إلى تراتبية دائمة للسلطة السياسية، أو عندما تدعي تنظيمات مسلحة امتلاك سلطة تحول دون قدرة المواطنين على تقرير مستقبلهم الجماعي عبر مؤسسات شرعية.
وهذا التمييز أساسي. فانتقاد سياسة الدولة الإيرانية أو حركات مسلحة بعينها ينبغي ألا يتحول إلى إدانة للإسلام الشيعي أو للمجتمعات الشيعية. كما لا ينبغي الخلط بين سلوك الحكومات أو الجماعات المسلحة السنية ومعتقدات جميع المسلمين السنة. فالإخفاق يكمن في أنظمة الهيمنة والتعبئة الطائفية والسيطرة السياسية القسرية، لا في مجرد وجود الاختلاف الديني.
ولا يحتاج الشرق الأوسط إلى مشروع جديد يسعى إلى إرساء تفوق دائم لمعسكر ديني أو أيديولوجي واحد، بل يحتاج إلى ترتيبات سياسية لا تضطر فيها أي جماعة إلى التخلي عن هويتها كي تتمتع بالمواطنة المتساوية، ولا تستطيع فيها أي جماعة ادعاء حق الهيمنة على الآخرين بسبب هويتها.
صدام حسين والوهم المدمر للقيادة الإقليمية
تقدم ديكتاتورية صدام حسين مثالاً آخر على الفجوة بين طموحات العظمة الإقليمية وعواقب السلطة الاستبدادية.
فقد ادعى نظام البعث العراقي الدفاع عن القومية العربية والسيادة الوطنية والقيادة الإقليمية. وكان العراق يمتلك موارد كبيرة، وموقعاً جغرافياً مهماً استراتيجياً، وسكاناً يتمتعون بإمكانات بشرية وثقافية كبيرة. كما أتاحت ثروته النفطية فرصاً للتنمية الاقتصادية، فيما وفرت مؤسساته التعليمية والإدارية أساساً لدولة حديثة.
لكن تركيز السلطة حول صدام حسين والحزب الحاكم أخضع المؤسسات الوطنية بصورة متزايدة لبقاء النظام. وقُمعت المعارضة السياسية بعنف، ووُجهت موارد الدولة بدرجة كبيرة نحو القوة العسكرية والسيطرة الداخلية والحفاظ على النظام الحاكم.
وألحقت الحرب الإيرانية العراقية أضراراً هائلة بالمجتمعين. وفي عام 1990، غزا صدام الكويت، ما أدى إلى أزمة دولية انتهت بحرب الخليج عام 1991. وقوض الغزو مكانة العراق الإقليمية، وأفضى إلى عواقب كارثية على سكانه، أعقبتها سنوات من العقوبات والعزلة الدولية والمواجهة المستمرة.
وفي مارس/آذار 2003، غزا تحالف بقيادة الولايات المتحدة العراق، وأطاح بحكومة صدام حسين. وسقط النظام سريعاً، لكن تدمير النظام السياسي القائم لم يؤد إلى قيام دولة ديمقراطية مستقرة.
وأعقب الغزو والاحتلال تفكيك أجزاء رئيسية من الجهاز الأمني العراقي، وتطبيق سياسة اجتثاث البعث على نطاق واسع، واندلاع التمرد والعنف الطائفي والانهيار المؤسسي، ونمو تنظيمات مسلحة تعمل خارج السيطرة الفعلية للدولة. وكشف ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية عام 2014، عواقب نقاط الضعف المؤسسية المتراكمة في المنطقة، والتفاعل الكارثي بين الحرب والإقصاء والتجزئة السياسية.
ولا يمكن تفسير تاريخ العراق اللاحق بقرارات القوى الغازية وحدها. فقد أسهم إرث صدام السلطوي، وسياسات السلطات التي تولت الحكم بعد الغزو، وسلوك النخب السياسية العراقية، والتعبئة الطائفية، والتدخل الإقليمي، وأفعال الجماعات المسلحة، جميعها في تشكيل النتيجة. لكن التجربة شككت بصورة حاسمة في الافتراض القائل إن قوة خارجية تستطيع الإطاحة بديكتاتورية ثم بناء نظام سياسي شرعي من خلال الاحتلال العسكري وإعادة تصميم المؤسسات.
وأنفقت الولايات المتحدة وشركاؤها موارد هائلة على الحرب وتداعياتها، فيما استمرت التكاليف البشرية والمالية لفترة طويلة بعد الغزو الأولي. وأظهرت التجربة كيف يمكن للحملات العسكرية التي تبدأ بوعود الأمن والتحول السياسي أن تولد التزامات واضطرابات وعواقب تمتد عبر أجيال.
ولا تتمثل الفكرة الأساسية في أن التدخل الأجنبي لا يمكن أبداً أن يسهم في التغيير السياسي، بل في أن الانتصار العسكري وإعادة البناء السياسي مهمتان مختلفتان جوهرياً. فقد تتمكن قوة احتلال من هزيمة جيش، وإزاحة حكومة، وحل مؤسسات قائمة، لكنها لا تستطيع خلق الشرعية السياسية بمجرد إعلان نظام دستوري جديد.
ولا يُعاد بناء بلد لمجرد إزاحة حاكمه السابق. بل يجب إعادة بنائه من خلال مؤسسات يعترف المواطنون بشرعيتها، ونظام سياسي يسمح بالتنافس السلمي، واقتصاد فاعل، وهيكل أمني خاضع للدولة، لا لأحزاب أو شخصيات أو مصالح طائفية متنافسة.
وأصبح العراق أحد أوضح الأمثلة على حدود التحول المفروض من الخارج. كما كشف مخاطر افتراض أن تدمير نظام استبدادي سيؤدي تلقائياً إلى نشوء الثقة الاجتماعية والقدرة المؤسسية اللازمتين للديمقراطية.
الشرق الأوسط الجديد وخطاب الإصلاح
اكتسب تعبير «الشرق الأوسط الجديد» أهمية خاصة في مطلع القرن الحادي والعشرين، رغم أن الطموح إلى إعادة تشكيل المنطقة كان موجوداً قبل ذلك بوقت طويل. فبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ربطت السياسة الخارجية الأمريكية بصورة متزايدة بين تحويل الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب والإصلاح السياسي ونشر الديمقراطية.
وأصبح غزو العراق عام 2003 التعبير العملي الأكثر طموحاً عن هذه الرؤية. فقد رأى مؤيدوه أن إزاحة صدام حسين ستنهي وجود نظام خطير، وتمهد الطريق أمام عراق أكثر ديمقراطية يمكن أن يؤثر في المنطقة الأوسع. لكن تجربة الاحتلال كشفت المسافة الهائلة بين وعد التحول وواقع إعادة بناء دولة بعد الحرب.
واكتسبت عبارة «الشرق الأوسط الجديد» اهتماماً دولياً متجدداً في يوليو/تموز 2006، عندما وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أعمال العنف المصاحبة للحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان بأنها المخاض الذي يولد منه شرق أوسط جديد. وأوحت عبارتها بأن النظام الإقليمي القائم يمر بتحول مؤلم قد يفضي في نهاية المطاف إلى مشهد سياسي مختلف. وأصبحت تلك التصريحات مثالاً بارزاً على الكيفية التي يمكن أن تصطدم بها لغة التحول التاريخي بالتجربة المباشرة لمن يعيشون تحت وطأة العنف.
ولم تكن المشكلة في هذا النهج مجرد العبارة نفسها، بل في السؤال الأوسع: من يمتلك سلطة تحديد مستقبل النظام في المنطقة؟ ولمن ستخدم مصالح ذلك النظام؟ وما الآليات التي ستجعله شرعياً ومستداماً؟
وبالنسبة إلى كثيرين في الشرق الأوسط، أصبح وعد النظام الجديد مرتبطاً ارتباطاً لا ينفصل بتجربة التدخل العسكري، وسقوط الضحايا المدنيين، والانهيار المؤسسي، والنزوح، والتنافس بين القوى الخارجية. ولم يعد من الممكن تقييم خطاب الإصلاح استناداً إلى النوايا التي يعلنها الداعون إليه وحدها، بل كان لا بد من الحكم عليه في ضوء النتائج السياسية والإنسانية للأساليب المستخدمة لتحقيقه.
ولا يعني ذلك أن كل مبادرة خارجية إمبريالية بالضرورة، أو أن الديمقراطية وحقوق الإنسان غريبتان عن المنطقة. فالشرق الأوسط يمتلك تاريخه الطويل الخاص في النقاشات الدستورية، والفقه القانوني، والإصلاح السياسي، والتعددية الفكرية، والحركات المطالبة بحكم خاضع للمساءلة. كما لا يعني ذلك وجوب تحصين الحكومات المحلية من النقد كلما ذُكر التدخل الأجنبي.
والحجة الأكثر دقة هي أن الإصلاح لا يمكن فرضه بنجاح عندما يُحرم الأشخاص المتوقع منهم العيش في ظل النظام الجديد من المشاركة الفعلية في بنائه. ويمكن للمساعدة الخارجية أن تسهم بالموارد والخبرات والدعم الدبلوماسي والضمانات الأمنية. لكنها تصبح إشكالية للغاية عندما تحل محل الشرعية السياسية المحلية، أو تتعامل مع المجتمعات باعتبارها موضوعات ينبغي إعادة تنظيمها وفق تصميم استراتيجي وُضع في مكان آخر.
وبهذا المعنى، واجه مشروع الشرق الأوسط الجديد مراراً تناقضاً جوهرياً؛ فالأطراف التي تعد بإقامة نظام جديد تبدأ غالباً بممارسة أشكال الهيمنة نفسها التي يتعين على النظام الشرعي تجاوزها.