باريس - سدن
لم تعد الاحتجاجات الفرنسية تعبيراً عن اعتراض على قرار اقتصادي واحد، بل أصبحت مساحة يلتقي فيها غضب العمال ومخاوف الطلاب والقلق من تراجع الخدمات العامة، وقد شهدت البلاد تظاهرات واسعة في 31 تشرين الأول، شارك فيها نحو 320 ألف شخص وفق السلطات، ونحو نصف مليون بحسب المنظمين، وسط انتشار أمني كبير ومواجهات محدودة في بعض المدن.
وكشف التقرير الميداني الذي نشرته صحيفة (لوموند) اليوم، عن تظاهرات شاركت فيها عائلات وطلاب وموظفون ومتقاعدون، بينما ظهرت مطالب تتعلق بالأجور والتعليم والقدرة الشرائية وحرية التظاهر. ولم تكن جميع المسيرات عنيفة؛ فقد اتسم كثير منها بالطابع السلمي، رغم وقوع اشتباكات واعتقالات في مواقع أخرى.
لكن التطور الأكثر أهمية هو دخول فئات شابة إلى قلب الحركة الاحتجاجية، فطلاب المدارس والجامعات لا يعترضون فقط على ظروفهم الحالية، بل يعبرون عن خوف من مستقبل قد يكون أكثر صعوبة من حياة آبائهم.
وتتعلق هذه المخاوف بارتفاع تكاليف السكن، وصعوبة العثور على وظائف مستقرة، والضغط على التعليم العام، والشعور بأن القرارات الاقتصادية لا تراعي احتياجات الأجيال الجديدة.
وتواجه الحكومة بدورها قيوداً مالية وسياسية، فهي لا تملك أغلبية برلمانية مريحة، كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والدفاع والديون يحد من قدرتها على تقديم تنازلات واسعة.
لكن ضعف الموارد لا يفسر وحده تراجع الثقة، فالمواطن قد يقبل إجراءات اقتصادية صعبة إذا اعتقد أن الأعباء توزع بصورة عادلة، وأن الحكومة تستمع إلى مطالبه، أما عندما يشعر بأن المؤسسات تتعامل معه بوصفه مشكلة أمنية، فقد يتسع الغضب حتى لو لم تتغير الظروف الاقتصادية فوراً.
وتثير طريقة إدارة الاحتجاجات نقاشاً خاصاً، فقد استخدمت الشرطة عمليات تفتيش واسعة وقيوداً على مسارات المسيرات، بينما اشتكى متظاهرون من التضييق على حقهم في التعبير، وفي المقابل، تؤكد السلطات ضرورة حماية الممتلكات ومنع الاعتداءات.
وبحسب الصحيفة، فانه لا يجوز الخلط بين الاحتجاج السلمي والعنف، كما لا يجوز اعتبار وقوع أعمال شغب مبرراً لإلغاء حقوق جميع المشاركين، فالدولة الديمقراطية تحتاج إلى المحافظة على الأمن دون تحويل الخلاف الاجتماعي إلى مواجهة دائمة بين الشرطة والمواطنين.
وقد تصبح الانتخابات الرئاسية المقبلة اختباراً لقدرة الأحزاب على استعادة الثقة، فالمنافسة السياسية التي تكتفي بالشعارات لن تعالج أزمة تتعلق بالتعليم والعمل والسكن والعدالة الاجتماعية.
إن احتجاجات فرنسا تعكس سؤالاً أوروبياً أوسع، مفاده هل تستطيع الدولة الاجتماعية المحافظة على وعودها في عالم تتزايد فيه التكاليف والمخاطر؟ وإذا لم تجد الحكومات إجابة، فقد تستمر الشوارع في التعبير عن أزمة لا تستطيع صناديق الاقتراع وحدها حلها.